إطلاق نار على الإتفاق
كتب جوني منيّر في صحيفة “الجمهورية” :
كان لافتاً إعتماد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو سلوك الصمت، منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب وكذلك إيران وباكستان، عن التوصل الى إتفاق ينهي حال الحرب القائمة. وتحدث الإعلام الإسرائيلي عن صدمة عاشها نتنياهو، وهو الذي كان خارج كل هذا السياق. لكن، وبعد استهداف «حزب الله» بالمسيّرات شمال إسرائيل، بدا وكأنّ نتنياهو كان ينتظر الحركة الإعتراضية للجناح الإيراني المعارض للإتفاق. وقد يكون وضع «هجوم» المسيّرتين في هذه الخانة، وأنّه بات يحظى بالذريعة المطلوبة للردّ على خرق معادلة «الضاحية مقابل شمال إسرائيل»، والتي ثبتتها واشنطن قبل فترة قصيرة.
تروي الأحداث التاريخية، أنّه في ظروف مشابهة، أي عند اتجاه القوى المتحاربة لإنهاء حال الحرب والذهاب إلى صوغ التسويات، تبدأ حرب من نوع آخر، ساحتها داخلية وأدواتها محلية. لذلك تأخذ الدول وقتها في اختيار الطرف الأقوى والأفعل للتفاوض معه، لتجنّب إسقاط الإتفاق لاحقاً. ونحن في لبنان لدينا أكثر من تجربة في هذا الإطار، كمثل «الإتفاق الثلاثي»، والذي أسقطته انتفاضة سمير جعجع على إيلي حبيقة داخل «القوات اللبنانية».

ومنذ الإعلان عن قرب توقيع ورقة التفاهمات بين واشنطن وطهران، بدأت حركة إعتراضات غير مألوفة تظهر داخل فريق المحافظين. وتمّ تظهيرها بوضوح مع الإحتجاجات التي حصلت في طهران ومناطق أخرى، وحيث أُطلقَت شعارات حادة ضدّ المفاوضين، ومن بينهم وزير الخارجية عدنان عراقجي ورئيس الوفد المفاوض محمد باقر قاليباف. صحيح أنّ عراقجي مصنّف ضمن الفريق الإصلاحي، لكن قاليباف يُعتبر من صقور المحافظين.
في السابق كانت عناوين الخلافات محصورة بين الإصلاحيين من جهة والمحافظين من جهة أخرى. لكن الإنقسام بات مختلفاً الآن، وهو بات بين مَن يؤيّد المضي في الإتفاق وبين من يعارض إقراره. فالفريق المعارض يرى أنّ الوقت لم يحن بعد للذهاب إلى اتفاق، وإيران لا تزال تُمسك بأوراق قوة ستضعها لاحقاً في موقع تفاوضي أقوى وأفضل. والمقصود هنا، أنّ عامل الوقت بات يلعب لمصلحة إيران، بعكس البيت الأبيض الذي بات محشوراً داخلياً، وأيضاً على المستوى الدولي، مع التراجع الحاد في مخزون النفط العالمي. ويرى هذا الفريق، أنّ تخلّي طهران عن ورقة مضيق هرمز مسألة غير حكيمة. أما الفريق المؤيّد للتسوية، والذي يتكون من وجوه داخل الحكومة إضافة الى الحلقة المحيطة بقاليباف، فهو يرى أنّ الحكمة تقضي بإيقاف النزف الداخلي الناتج من الدمار الذي طاول كافة القطاعات، وأصاب الإقتصاد الإيراني ومداخيل الخزينة. وإنّ من المفترض إلتقاط الأنفاس والذهاب لتحقيق المكاسب عبر التفاوض، خصوصاً أنّ عامل الوقت سيكون أكثر إيذاء للداخل الإيراني. كما أنّ هذا الفريق بات يبدي خشيته من أن يؤدي الإستمرار في إغلاق مضيق هرمز إلى إعادة رمي أوروبا والعواصم العالمية المتضررة في أحضان ترامب. وبات معروفاً أنّ المرشد مجتبى خامنئي يميل إلى وجهة نظر السير في الإتفاق، مع الإشارة هنا الى أنّ وضعه يختلف عن وضع والده لناحية حسم التوجّه الذي يعتمده، كونه ما زال طري العود داخل السلطة.
وفي وقت عمد نتنياهو إلى التركيز إعلامياً على هجوم «حزب الله» عبر المسيّرتين، وهو ما لم يكن يحصل سابقاً بهذه الطريقة، بهدف منح نفسه العذر المطلوب للردّ على الضاحية، فإنّ قاليباف أصدر بياناً إثر استهداف الضاحية، هاجم فيه الولايات المتحدة. والتفسير هنا واضح في أنّ الهدف استيعاب الهجمات الداخلية التي تستهدفه، ومحاولة منع ردّ فعل حربي سيدفع الأمور في اتجاهات المواجهة من جديد، كبديل من التوقيع على ورقة التفاهمات.
وفي معرض التفسيرات، فإنّ أوساطاً ديبلوماسية رأت أنّ رسالة «المسيّرتين» قد تكون للقول إنّ الإتفاق لا يجب أن يأتي على حساب نفوذ إيران الإقليمي، وتحديداً ما يطاول الجسم العسكري لـ«حزب الله». ذلك أنّ التسريبات كانت أوردت أنّ الإتفاق اكتفى ببند يشير إلى وقف إطلاق النار على كل الجبهات بما فيها لبنان. ولكنه لم يكن واضحاً حول مصير سلاح الحزب. وإذا صحّت هذه القراءة فهي تعني وجود محاولة من الحرس الثوري، صاحب التأثير الوحيد على «حزب الله»، لخلق وقائع جديدة على الإتفاق. أما نتنياهو، فيسعى بدوره لإعادة نقل الأمور إلى دائرة الحرب.
والحرس الثوري أعلن في بيان رسمي، أنّه في صدد الردّ على استهداف الضاحية، ناصحاً بفتح الملاجئ. وبالتالي إذا عمد إلى ردّ قوي فقد يكون ذلك مؤشراً إلى أنّ الجناح المتشدّد في الحرس الثوري غير مرتاح للإتفاق، ويريد نسفه من أساسه. أما إذا بقي الردّ في حدود مضبوطة، فسيتمّ توظيف التصعيد المحدود في إطار تحسين الشروط التفاوضية.
ومع الإعلان عن التوصل للإتفاق، سادت التسريبات الإعلامية، والتي جاءت متناقضة في كثير من الأحيان. والهدف هو سعي كل طرف إلى محاكاة شارعه والترويج لتحقيق انتصارات تفاوضية. لكن السؤال الأساس بقي: أي إيران لما بعد هذا الإتفاق؟ والإجابة يمكن تبيانها من خلال البنود التي من المفترض توقيعها. إلّا أنّ الأولوية الإيرانية تبقى في الإنتقال من مشروع التوسع أو النفوذ الإقليمي المسلح، إلى مشروع تثبيت النظام الديني القائم. وهنا تراهن واشنطن على أنّ أولوية طهران ستصبح في إعادة بناء الداخل والدورة الإقتصادية واستعادة الأموال المجمّدة وتخفيف العقوبات، أكثر منه تشجيع المواجهات الإقليمية، أي نفوذ إقليمي لا يرتكز على المخالب العسكرية. صحيح أنّ طهران لن تتخلّى بسهولة عن نفوذها العسكري في لبنان والعراق واليمن، لكن واشنطن تراهن على أنّها قد تنتقل من إدارة النزاع العسكري المباشر إلى إدارة النفوذ السياسي والأمني الأقل كلفة. والهدف سيكون الحفاظ على أوراقها الإقليمية لا استخدامها في مواجهات يومية ضدّ واشنطن وتل أبيب. واستطراداً، فإنّ الجانب الأميركي المفاوض كان يهدف إلى أن يصبح الملف النووي ورقة تفاوض لا أداة مواجهة.
وثمة من بات يعتقد أنّ الإتفاق في حال إقراره، سيؤسس لعلاقة جديدة مع واشنطن، ومختلفة عن تلك التي طبعت المرحلة السابقة منذ إمساك الثورة الإسلامية بالسلطة. وهذه المرحلة التي ستبدأ بعد إقرار الإتفاق، ستنقل العلاقة من سلوك العداوة إلى «التعايش المنظّم». وهي مرحلة طويلة بعض الشيء وحافلة بالتعرجات، بسبب إنعدام الثقة والشكوك العميقة بين الطرفين. وتأمل واشنطن أن تكتمل بالعودة إلى العلاقة التحالفية بين البلدين في يوم ما. وما يساعد على الدفع في هذا الإتجاه، إدراك الطرفين أنّ المواجهة الشاملة مكلفة جداً، وهو ما تمّ اختباره بالملموس خلال المرحلة السابقة. ولفت في هذا المجال، تصريح السفير الإيراني لدى المكسيك منذ يومين، حيث اعتبر أنّ بلاده والولايات المتحدة من الممكن أن تتمتعا بعلاقة جيدة مستقبلاً، طالما أنّ ترامب لا يستقي توجهاته في السياسة الخارجية من إسرائيل. وتابع السفير الإيراني لموقع «بوليتيكو»، أنّ واشنطن إذا غضّت الطرف عن مصالح إسرائيل، فيمكن عندها لطهران وواشنطن أن تكونا صديقتين حميمتين للغاية.
لكن الحسابات الإسرائيلية مختلفة كلياً عن تلك الأميركية. ففي حين تريد واشنطن ترويض طهران لاستردادها، تريد تل أبيب تفكيك النظام الايراني وتدميره، كونه يشكّل خطراً مباشراً عليها. لا بل فإنّ المشروع الإسرائيلي أبعد بكثير ويصل إلى حدود تفكيك المنطقة، وهو ما بدأ يتحقق إنطلاقاً من الحرب التي حصلت والتبدلات العميقة التي طاولت ساحات سوريا ولبنان والعراق. إضافة إلى أنّ نتنياهو يرى في أنّه إذا وقف هنا سيعني دماراً كاملاً لواقعه السياسي، مع خطر الدخول إلى السجن.
وفي استطلاع للرأي أجرته القناة 12 الإسرائيلية ونشرته نهاية الأسبوع الماضي، أي بعد أسبوع فقط على تبادل الضربات بين إسرائيل وإيران، وبعد التدخّل الأميركي الذي أدّى إلى فرض قرار وقف النار، تبين أنّ نحو نصف الإسرائيليين باتوا يعتقدون أنّ قدرة الردع الإسرائيلية تجاه إيران قد تراجعت إثر المواجهات الأخيرة. كما كشف الإستطلاع، عن تراجع الثقة بترامب حول ما يتعلق بمراعاة المصالح الإسرائيلية على حساب أولوية المصالح الأميركية في المنطقة. 49% من هؤلاء اعتبروا أنّ حرّية عمل إسرائيل في لبنان تراجعت بعد الجولة الأخيرة، في مقابل 30% لا يعتقدون ذلك. وهنا يُفهم تمسك نتنياهو بالردّ الفوري وتعزيز حجته أمام ترامب. كذلك فإنّ 36% يعتقدون أنّه كان على الحكومة الذهاب أبعد من ذلك في ردّها، وأن تشن هجوماً أوسع، على رغم من مطالبة ترامب بعدم القيام بذلك، في مقابل 29% قالوا إنّ نتنياهو تصرّف صحيحاً.
لكن الأكثر حساسية لنتنياهو، تراجع حصة الليكود من 24 إلى 22 مقعداً لو حصلت الإنتخابات الآن. كذلك فإنّ تحالف نفتالي بينيت ويائير لابيد تراجع أيضاً مقعدين ووصل إلى 20 مقعداً. لكن المثير أنّ حزب رئيس الأركان السابق غادي أيزنكوت عزز حضوره ووصل إلى 20 مقعداً، وحيث بات يُنظر إليه كشخصية ذات خلفية أمنية وعسكرية قوية، قادرة على أن تتولّى رئاسة الحكومة. وهو ما يشير إلى تمسك المزاج الشعبي الإسرائيلي بالمسار العسكري والحلول الأمنية، وهو المسار الذي بات غالباً بنسبة ساحقة منذ هجوم السابع من أُكتوبر.
لكن ما هو انعكاس كل ذلك على لبنان؟
إذا تمّ توقيع الإتفاق فهذا سيعني رقابة خارجية صارمة لتثبيت وقف النار، والعمل لتحويل الساحة اللبنانية من ساحة مواجهة إلى ساحة تسوية. وستشكّل عندها المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية تحت الرعاية الأميركية بشقيها الديبلوماسي والعسكري، الوجهة الإلزامية لتثبيت المسار الجديد. مسار سياسي متقدّم، والأهم مسار عسكري عملاني، ويهدف في شكل أساسي لنزع سلاح «حزب الله» وتفكيك بنيته العسكرية، في مقابل تأمين انسحاب إسرائيل من الجنوب. وهو المسار الذي بدأ يُعرف بـ«الأرض مقابل السلاح». فسيزداد التركيز الدولي على تفعيل دور الجيش وتأمين سبل دعمه. ومعه سينتقل «حزب الله» من أولوية المواجهة العسكرية المفتوحة إلى أولوية حماية نفوذه السياسي والأمني داخلياً. وهو لذلك سيتشدّد أكثر في ملف السلاح، كونه يدرك مسبقاً أنّ الضغوط الدولية ستركّز على هذه النقطة، ما سيدفعه إلى طرح مبدأ إقرار الإستراتيجية الدفاعية، والتي لا تزال تفاصيلها مبهمة وغير معروفة. ولفت في هذا الإطار، بدء تركيز خطاب «حزب الله» على حق المقاومة، طالما أنّ إسرائيل تحتل أراضي لبنانية. وهو خطاب يهدف إلى حماية مبدأ الإحتفاظ بالسلاح. لكن المشكلة الأكبر التي سيواجهها ستكون مع الخسائر الهائلة التي طاولت بيئته الحاضنة، والتي ستصبح أكثر قسوة عندما يبرد الجرح. وقد يكون هناك من يفكر بتوجيه هذا الغضب وجعله ينفجر بوجه السلطة القائمة.
أما إذا نجح نتنياهو من جهة والحرس الثوري من جهة أخرى في نسف الإتفاق ودفع المنطقة نحو أشهر جديدة من المواجهات الحربية، فإنّ جنوب لبنان سيدفع مزيداً من الفواتير الجغرافية والديموغرافية، وصولاً إلى البقاع الغربي، وستزداد الأثقال التي يحملها لبنان، خصوصاً على الصعد الإقتصادية والحياتية والإجتماعية وأيضاً السياسية.






