أردوغان يعلن معادلته… بيروت حدود أنقرة المتقدّمة
كتب ميشال نصر في صحيفة “الديار” :
في الشرق الأوسط، نادراً ما تكون التصريحات السياسية مجرد كلمات عابرة، فما يصدر عن المسؤولين يحمل في طياته رسائل متعددة، للخصوم، كما للحلفاء، فيما يخفي جزء منه قطب مخفية لموازين قوى تتشكل تحت وقع الحروب والأزمات. في هذا الاطار اكتسبت تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أهمية استثنائية عندما ربط أمن تركيا بحلب، دمشق وبيروت.
ففي ظل المشهد الاقليمي المعقد، يبدو تصريح أردوغان وكأنه إعلان عن انتقال تركيا من موقع المراقب القلق، إلى موقع اللاعب الذي يشعر بأن التطورات الجارية تقترب من حدوده الاستراتيجية، حيث ترى مصادر متابعة، أن أنقرة لم تعد تنظر إلى ما يجري في لبنان وسوريا باعتباره شأناً يخص هاتين الدولتين فقط، بل يندرج في سياق الحديث المتنامي عن أدوار إقليمية جديدة قد تُمنح لبعض القوى في مرحلة ما بعد الحرب، ضمن ترتيبات دولية أوسع تهدف إلى احتواء الفوضى ومنع توسع الصراع، والذي يضع تركيا أمام استحقاق استراتيجي بالغ الحساسية.

وتشير المصادر، الى ان اهمية وضع بيروت ضمن “حدود أمنية متقدمة” لقوة اقليمية كتركيا، يكمن في خلطه للتوازنات وخرائط النفوذ الثلاث المتقاطعة في لبنان:
-الايرانية، عبر حزب الله، حيث ثمة في واشنطن من يتحدث عن خط امداد مفتوح، من ايران الى لبنان عبر تركيا والشمال السوري، تصل عبره الاسلحة، وخصوصا المسيرات الى الحزب، جمع اطرافه العداء لتل ابيب، والمخاوف من جدية طرح اسرائيل الكبرى.
فإشارة أردوغان إلى “أوهام أرض الميعاد” حملت دلالة سياسية عميقة، عاكسة قناعة تركية متنامية بأن إسرائيل لم تعد تكتفي بضرب قدرات خصومها، بل تسعى إلى فرض واقع إقليمي جديد يمنحها هامشاً أوسع من النفوذ العسكري والأمني، وهو ما تحاول أنقرة مواجهته برسم خط أحمر سياسي حول أي تغيير جذري في توازنات سوريا ولبنان.
– الغربية، عبر المؤسسات السياسية والمالية، حيث يسجل دخول تركي فعلي على الارض، بدأ بعيد انفجار ثورة ١٧ تشرين، حيث اتهمت انقرة يومها بالدخول على خط اعمال الشغب التي ركزت على استهداف شبكة المصارف، والمؤسسات الاقتصادية، في طرابلس ووسط بيروت.
– النفوذ الاقليمي، الذي يشمل اسرائيل ودول الخليج، حيث دخلت انقرة على خط المساعدات بقوة، خصوصا بعد انفجار المرفا، وتراجع الاهتمام الخليجي بشكل عام، مستفيدة من الاندفاعة القطرية، ما سمح لها ببناء مناطق نفوذ شعبي لا يستهان بها داخل البيئة السنية، تمتد من عكار وطرابلس، الى البقاع الغربي، مرورا بالشوف وتحديدا اقليم الخروب، حيث ستعمل على تقديم آلاف المنازل الجاهزة لايواء نازحي الجنوب بدلا من الخيم.
اما على الخط الثاني، فتحركت باتجاه الجيش اللبناني، ففعلت اتصالاتها مع القيادة العسكرية اللبنانية، طارحة مشاريع تعاون عسكري على الطاولة، مقدمة مساعدات عينية لوحدات الجيش المنتشرة في قطاع جنوب اللبناني، ساهمت في تسهيل تنفيذ المرحلة الاولى من خطة حصر السلاح( قدمت صواعق تفجير، ومواد متفجرة، تستخدم في تدمير الذخائر المصادرة، بناء لطلب اميركي مباشر تولاه توم براك، وبلغت قيمة المساعدة وقتها الـ ١٥ مليون دولار).
دون ان ننسى المشاركة التركية في اليونيفيل، بداية عبر قوة هندسة برية انتشرت عام ٢٠٠٦ في الجنوب، كما انها تشكل العمود الفقري لليونيفيل البحرية، حيث تولت قيادة القوة اكثر من مرة.
وتختم المصادر، مبدية اعتقادها بأن “المعادلة الاردوغانية” الاخيرة، تعكس الرؤية التركية لمستقبل التوازنات في لبنان وسوريا، التي لم تعد قضية عربية أو إسرائيلية فقط، بل أصبحت جزءاً من أمنها القومي المباشر، وبالتالي، على واشنطن ان تدرك ان أي إعادة رسم للشرق الأوسط بعد الحرب يجب أن تأخذ مصالح أنقرة في الاعتبار، وإلا فإن الاخيرة ستكون لاعباً معترضاً، لا مجرد متفرج.






