- Advertisement -

- Advertisement -

شربل قزحيا مرهج ترجل كالفارس ورحل – “الروابط”

“البساطة أصعب بكثير من التصنّع لذا أنا أحترم البسطاء”.
سينورا

يَرحل البسطاء عن وجه الدنيا بوداعة الودعاء الأتقياء وسكينة المتعبّدين الأنقياء ، فيهون الموت عند ألَم الفراق ، وقد عادت النفس الى خالقها راضية مرضية ، آمنة مطمئنة لتدخل جنّته في عباده الصالحين المكرّمين.
هكذا ، رحل بالأمس شربل قزحيا مرهج ، ابن عائلة مرهج الكريمة من بلدة ادّه الجبيلية.
بهدوء النسّاك أغمض عينيه على “كرسيّه المتحرك” وقد لازمه لنحو من عشرين سنة .
ما تأفّف يوماً من ألم ولا تأوّه لوجع أمام زوجته ، ولا أظهر تكدّراً من تكاليف الحياة أمام أولاده ، ولا اعترض على مشيئة خالقه أمام أقاربه، ولا أحجم عن ابتسامته والأهلا وسهلا أمام زواره .
ما تنكّر يوماً لإرادة ربّه وقد بُترت ساقه اليمنى لمرض أصابها وتبعتها اليسرى ، فصارت إقامته على ” كرسيّه المتحرك” تشكل عالمه الجديد في بيته والمصطبة الخارجية والشرفات.
” مُقعد “على كرسيه ولكنه ينشر البسمة والرضا والحَمْدَلَة أكثر من الرجال الأصحاء.
” مّقعد ” جالس ، وغير معقّد يائس . تزوره وتتفاعل مع وضعه الصحي ، فيستقبلك مشدّداً من عزيمتك لمجابهة الصعاب آنَ تَحِل بمصائبها.

عشرون عاماً وهو على “كرسيّه المتحرك ” يردّد دوماً : ” لتكن مشيئتك يا رب” ، ويقول : إذا الربّ شاءَ لي ما شاءَ فلْيَكُن له ما شاء .”

Ralph Zgheib – Insurance Ad

بالأمس ، غاب شربل قزحيا مرهج.
ترجّل عن “كرسيّه المتحرك” كما يترجل الفارس المنتصر عن صهوة جواده .
غاب شربل مرهج وغابت معه أمثولة العصامية والجدّية والنضال والكفاح.
غاب معه نور وجهه الضيعوي ، وسمرة زنده القروي، وبسمة ثغره المَشرقي .
غابت معه غدواته الى العمل كسباً للرزق الحلال للعيال.
وفي العودة يَنْدَهُ على السّت الفاضلة إيفون معلناً وصوله والحاجات المنزلية ، فتلاقيه كالنحلة المجتهدة ليكتمل عقد العائلة كجماعة مؤمنة ، متضامنة متعاونة متشاركة من حول مائدة الطعام ، حيث شهي المأكولات من إعداد ربّة البيت ، وشوق التلاقي عندهم بين الوالدين والأولاد في عائلة مسيحية لبنانية باتت مضرب مثل في التآخي وشبك الأيادي ونُصرة الأخ لأخيه على قول الشاعر:
أخاكَ أخاكَ إنَّ من لا أخاً له
كساعٍ الى الهيجا بغير سلاحِ

هذا العامِل العالِم شربل مرهج .
هذا القرويّ الفلاّح المُنتج.
هذا المارونيّ الجبيليّ ، عاش ببساطة على خطى السيد المسيح.
تمسّك بأهداب الأخلاق كشرط في تعامله مع الآخرين. فالمؤمنون أخوة. ومَن لم يكن أخاك في الدّين فهو نَظيرٌ لكَ في الخَلْق.

على بساطة عيشه كان يَعتبر الأخلاقَ أساساً للتعامل الصحيح بين الأشخاص في المجتمع، واكتساب راحة الضمير، ورضا الله عزّ وجَل .
وكانت مكارمُ الأخلاق عنده تعلو بالعطاء والسّخاء والوفاء بالوعود ، والصّدق والحفاظ على الأمانة، واحترام الجار وآراء الآخرين ، وحفظ كرامة الناس والتسامح والإحسان .. وكان يعتبرها كلّها وصلاً بينه وبين ربّه وبين الناس.

كان شربل مرهج ” أبو ريمون ” يدرك يسجيته القروية أن التعامل ببساطة وعدم التكلّف يجعل المرء محبوباً بين الناس ، حيث أنّ التواضع من شِيَم النُبلاء . وهكذا كان الأنبياءُ والرسل يراعون شعور الفقراء قبْل الأغنياء.

هذا القروي من بلدة اده ، صديق عائلتي آل كريم كان يؤمن بثلاثة:
البساطة
الصبر
والرحمة.
البساطة ، كانت عنده ” العلامة الفارقة” في تعامله مع الأهل والأقرباء والأنسباء والزملاء، ومع الأقربين والأبعدين، فأحبوه واحترموه كما احترمهم وأحبّهم في كل مكان .
أما الصّبْرُ ، فقد تحمّله متمثلا بأيوب البار . فزاد من إيمانه بالله ومِن تغلّبه على شدائده ومصائبه بكل قوّة وأَناة .
والرّحْمة ، ما غَرُبَتْ عن لسانه في طلبها لنفسه وللآخرين . ولمْ يَحسد يوما عطايا الربّ للغَير ، بل كان يحمده على عطاياه في صلواته وتضرّعاته والابتهالات .

بالأمس، أغمض “أبو ريمون” عينيه الجميلتين على مباهج الدنيا ، مرتاح البال كالطّير يُطلق فراخه وقد قَويَت أجنحتها بوجه الرياح والأعاصير .
ودّع شربل مرهج زوجته الفاضلة ايفون التي وقفت الى جانبه في محنته طوال عشرين عاماً ، فاحتضنته برموش العيون ونبضات القلب، وتمالكت متاعبها عن عينيه وفطنته بنبل وحب ، وهي بنت بيت أصيل في القيم والأخلاق من آل يعقوب، جيران بلدة اده .

غادر ” العَم “شربل ، وهو يُتمْتم بالشكر لأولاده الذين ما فارقوه يوماً ، لا في بيته وقد صار مُقْعَدا ، ولا في توالي دخوله الى المستشفيات ، بل تفاخروا به أباً صالحاً ، وصديقا ناصحا ، وكانوا يَنْشرون من حوله المَسَرّة والبهجة والآمال المُفرحة ، ويمازحونه في السهرات من لعب الورق الى كأس العرق ليبتهج بهم قلبُه وتقرَ عينُه فرحا ، وهو مُحاط بأولاده : ريمون وسيمون وجان وابنته دلال ، والكنائن ، وعيالهم .
وكان ، رحمه الله ، على ظرفه ونقاوة روحه ، يتفاخر عليهم بمفاخر زمانه . وهو ، واحد من رجاله.

وداعاً ” أبو ريمون”.
لكَ في جِنان الخُلْد مَقعداً نورانياً تعويضاً عن “مَقعدك المتحرّك” في دنيا الفناء.
والعَزاء لزوجتك ايفون ، المرأة الصالحة المُتَّقية للرَّب ، وهيَ التي تُمدح كما جاء في سِفر الأمثال.
ولريمون الكاتب الأديب وصديقنا في “دار الروابط” ، وسيمون وجان ودلال وعيالهم أسمى مشاعر التعزية القلبية ، بدوام الصحة والعافية، ونحن في زمن الدايم دايم، فأدامكم الله يا آل مرهج بطول العمر ، وذكر سيرة الراحلين.

جورج كريم
الروابط
ادّه في 6/1/2022

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد