“مزرعة السياد”… حين يتعانق الجرس والأذان في حضن الجرد

Betico Steel

كتبت جوزفين يزبك حشاش في موقع birdeye

على كتف السماء، وعلى ارتفاع 1250 مترًا، تتهادى مزرعة السياد كقصيدةٍ كتبتها الطبيعة بالحبر الأخضر ومياه الينابيع الصافية. هنا، لا تُقاس المسافات بالكيلومترات، بل بعمق الجذور، ولا يُختصر المكان بجغرافيته، بل بروحه التي تنبض في تفاصيله اليومية. أربعة آلاف قلبٍ يخفق بين الماروني والشيعي، لكن الإيقاع واحد… إيقاع العيش المشترك الذي صار قدرًا جميلًا وهويةً لا تُمسّ.

في أزقتها، يحكي التاريخ ذاكرة ثلاثة قرون، من كنيسة مار عبدا التي شُيّدت عام 1708، إلى كنيسة سيدة النجاة، وصولًا إلى جامع مزرعة السياد الذي أُقيم أواخر القرن التاسع عشر، في مشهدٍ لا يروي مجرد تاريخٍ معماري، بل حكاية لقاءٍ دائم بين الجرس والأذان، بين الدعاءين حين يصعدان معًا نحو السماء ذاتها.

Ralph Zgheib – Insurance Ad

اليوم، تقف البلدة على عتبة مرحلة جديدة. بين صون الإرث وتحديات الحداثة، تسعى البلدية برئاسة المهندس سيرج بو غاريوس إلى أن تكتب فصلًا آخر من حكايتها: تحديثٌ لا يقتلع الجذور، وتنميةٌ لا تُفرّط بالذاكرة. هكذا تريدها مزرعة السياد… بلدةً تشبه قلبها، ثابتةً في أرضها، مفتوحةً على غدٍ أكثر إشراقًا، حيث يبقى التنوع مصدر قوة، ويظلّ اللقاء والعيش الواحد المشترك عنوان الحياة.

نسيج اجتماعي متماسك…

يؤكد رئيس البلدية سيرج بو غاريوس أن انتخاب المجلس البلدي بالتزكية، من دون معارك انتخابية، هو مؤشرٌ واضحٌ على حالة التوافق في البلدة، وهي تضم عبود والمزرعة والرميلة والشربينة، يمكن الوصول إليها عبر طريق نهر إبراهيم – قرطبا، أو عبر جبيل – إهمج – اللقلوق، ما يجعلها نقطة وصل بين الساحل والمرتفعات. ويضيف الرئيس بو غاريوس أن العمل البلدي بقي بعيداً عن الضغوط الحزبية، رغم تنوع الانتماءات السياسية، ما يعكس نضجاً مجتمعياً وحرصاً على تحييد الإنماء عن التجاذبات. والهدف الأساسي هو الحفاظ على الروابط الاجتماعية وتعزيز الحوار الدائم بين مختلف المكونات، مع إشراك النساء والشباب في القرار المحلي، ودمج الخبرة مع حيوية الأجيال الجديدة.

بنى تحتية منهكة.. مقابل خطط للمعالجة

يوضح بو غاريوس أنه بعد أشهر من انطلاق العمل البلدي، تتصدر أولوية تأهيل الطرقات جدول الأعمال. فالطرق الرئيسية التي تربط المنطقة يتجاوز عمرها خمسين عاماً، وقد باتت تتسبب بحوادث متكررة، لا سيما طريق قرطبا – اللقلوق الذي يُعد من المقاطع الخطرة، والتنسيق جار مع وزارة الأشغال لإعادة تأهيله. كما تسعى البلدية إلى تطوير المقومات السياحية والطبيعية، وفي مقدمها مغارة المثقوبة، لتحويلها إلى معلم سياحي منظم ينعكس إيجاباً على الحركة الاقتصادية.

تحديات بيئية ملحّة…

تشكل قضية المياه أولوية في ظل المخاوف من التلوث والتعديات. لذلك تعتمد البلدية على فحوصات دورية، كذلك هناك مشكلة قدم شبكات الصرف الصحي وتطوير شبكة حديثة يتطلب تمويلاً كبيراً يفوق الإمكانات الحالية، ما يدفع إلى البحث عن شراكات داعمة بحسب رئيس البلدية.
يضيف الرئيس بو غاريوس: يستفيد قضاء جبيل من مطمر صحي يعتمد أساليب إعادة التدوير ويستفيد منه القضاء. كما وتنظم البلدية أنشطة بيئية بالتعاون مع جمعيات محلية، تشمل تنظيف المجاري الطبيعية وتعزيز ثقافة الوعي البيئي.

الشباب في قلب الرؤية…

يتابع رئيس البلدية: أنشأت البلدية لجنة للشباب والرياضة، مع خطط لإطلاق برامج رياضية واجتماعية تعيد الحيوية إلى البلدة، وتنظيم فعاليات ثقافية وليالٍ شعرية وأنشطة للأطفال، إضافة إلى مبادرات في المناسبات الدينية والوطنية لتعزيز التماسك المجتمعي.

أزمة مالية… وإدارة بشفافية

يرى بو غاريوس ان الوضع المالي يبقى التحدي الأكبر في ظل محدودية الإيرادات وارتفاع النفقات، لذلك تعتمد البلدية على مبادرات خاصة وتعاون مع منظمات غير حكومية، مع التشديد على الشفافية وحسن إدارة المال العام.

رؤية إنتاجية جديدة…

يوضح بو غاريوس أنه ضمن خطتها لدعم المزارعين، تعمل البلدية على مشروع لتزويد برادات التفاح بالطاقة الشمسية بالتعاون مع القطاع الخاص، ما يخفف كلفة الكهرباء. كما تشجع على تحويل التفاح إلى منتجات ذات قيمة مضافة كالعصائر والمربيات والخل، لفتح أسواق جديدة وخلق فرص عمل.

نحو بلدية رقمية نموذجية…

يكشف الرئيس بو غاريوس ان البلدية تسعى إلى مكننة المعاملات عبر نظام إلكتروني يتيح إصدار المستندات والتصاريح، واعتماد التوقيع الإلكتروني، والعمل على انسحاب موضوع المكننة على لبنان كافة، مبديا الرغبة بالانضمام إلى اتحاد البلديات في جبيل للتمكن من توسيع نطاق الخدمات.

المحصلة… طموح كبير

بين واقع مالي ضاغط وبنى تحتية تحتاج إلى إعادة تأهيل، تحاول مزرعة السياد أن ترسم نموذجاً بلدياً يقوم على حماية العيش المشترك، تطوير الخدمات الأساسية، والانفتاح على التكنولوجيا والتنمية المستدامة.
ورسالة رئيس البلدية بو غاريوس واضحة: العمل البلدي ليس إدارة يومية فحسب، بل رؤية طويلة الأمد تُبنى بتعاون الأهالي، وتراكم الجهود، وإيمان بأن القرى قادرة، رغم إمكاناتها المحدودة، على صناعة مستقبل واعد.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد