الحزب يتريّث بالردّ ولكن…
كتب عماد مرمل في صحيفة “الجمهورية” :
تكرّرت خلال الأيام الماضية الخروقات الإسرائيلية في الجنوب لقرار وقف إطلاق النار، ما أدّى إلى سقوط عدد من الشهداء والجرحى، فيما لم يبادر «حزب الله» حتى الآن إلى الردّ على الاعتداءات الإسرائيلية. فما هي حساباته على هذا الصعيد؟
من المعروف أنّ قيادة «حزب الله» ترفض كلياً العودة إلى حقبة ما قبل 2 آذار، حين كان الجيش الإسرائيلي ينفّذ اعتداءات واغتيالات من دون أن يلقى رداً مضاداً من الحزب، الذي بقي ملتزماً بمندرجات وقف إطلاق النار على امتداد 15 شهراً، من تاريخ ولادة اتفاقية 27 تشرين الثاني 2024.

من هنا، فإنّ الحزب الذي دخل الحرب في 2 آذار الماضي على قاعدة كسر تلك المعادلة غير المتوازنة التي أعطت الاحتلال حرّية الحركة من طرف واحد، يبدو متحسِّساً جداً حيال أي محاولة لإعادة إنتاج مفاعيلها وفرض الأمر الواقع عليه مجدّداً، وهو ما دفع أمينه العام الشيخ نعيم قاسم في خطاباته، إلى تأكيد عدم السماح بتجديد مرحلة ما قبل 2 آذار، والتشديد على أنّ التقيُّد بوقف إطلاق النار يجب أن يكون من الجانبَين معاً، وإلّا يملك الحزب حق الردّ على الانتهاكات الإسرائيلية له.
ولكن، لماذا لم يبادر الحزب بعد إلى استخدام هذا الحق، على رغم من تسجيل خروقات فاقعة تتسبَّب في وقوع أعداد متزايدة من الضحايا، بالإضافة إلى أشكال أخرى من الاستهدافات المتنقلة؟
من الواضح أنّ مجموعة عوامل دفعت الحزب إلى التريُّث في الردّ فوراً على الانتهاكات الدامية وأهمّها:
– إعطاء بيئته الشعبية مجالاً لالتقاط الأنفاس بعد عودة عدد كبير من النازحين إلى بلداتهم الجنوبية، بالتالي سعيه إلى مراعاة ظروفهم وتفادي إرباكهم مجدّداً، في حال أفضى الردّ الفوري على الخروقات الإسرائيلية إلى شنّ اعتداءات واسعة، قد تدفع جزءاً من الناس إلى النزوح مرّة أخرى.
– منح فرصة لاختبار آلية احتواء الانتهاكات وتثبيت وقف النار، التي أفرزها مسار سويسرا، وتضمّ أميركا وايران ولبنان بمؤازرة باكستانية وقطرية. أخبارلبنان
– إثبات صدقية قيادة الحزب في التقيّد بوقف النار والحرص على صموده أطول وقت ممكن، في مقابل إظهار السعي الإسرائيلي إلى التفلّت منه بذرائع مختلفة.
– تكوين ملف محكم حول الخروقات المتراكمة. فيأتي الردّ، عندما يحين أوانه، مشروعاً ومكتمل الحيثيات، فلا يبقى هناك مبرّر للوم الحزب أو تحميله مسؤولية أي تصعيد.
ـ إعطاء الأولوية والمجال لإنهاء أصل المشكلة، والمتمثلة في الاحتلال الإسرائيلي وصولاً إلى ضمان انسحابه من الجنوب، سواء عبر مسار سويسرا الذي يعوّل عليه الحزب استناداً إلى ما تبلّغه من تعهّدات إيرانية بأن يكون بند الانسحاب مطروحاً في مفاوضات الستين يوماً، أو عبر أي صيغة أخرى تكون مقبولة لديه.
ربطاً بكل هذه الاعتبارات، تجنّب الحزب خلال الأيام الماضية التصرُّف بانفعال في مواجهة الانتهاكات المتلاحقة للبند الأول من مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، إذ يلحظ وقف الحرب على كل الجبهات ومن ضمنها لبنان، لكنّ الأكيد أنّه لن يصبر طويلاً إذا استمرّت الخروقات الإسرائيلية، منعاً لإعادة تثبيت الخلل الذي كان سائداً على مستوى قواعد الاشتباك في الـ15 شهراً التي سبقت اندلاع الحرب الواسعة.
وهناك مَن يدعو إلى مراقبة ذبذبات الموقف الإيراني على إيقاع مسار سويسرا، خصوصاً بعد إعلان قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري اللواء إسماعيل قاآني عن وجوب «مغادرة الصهاينة لبنان بأسره»، منبِّهاً إلى أنّهم «إذا لم ينسحبوا بإرادتهم فسيُجبَرون على الفرار مهزومين»، ما يوحي أنّ طهران مصرّة على إدراج مسألة الانسحاب ضمن المفاوضات على الاتفاق النهائي مع الأميركيّين، بينما يحاول لبنان الرسمي إنجاز هذه المسألة عبر مفاوضات واشنطن، انطلاقاً من مبدأ أنّه يفاوض عن نفسه.






