حكومة الإصلاح تتحوّل لإدارة الأزمة
كتبت لينا الحصري زيلع في صحيفة “اللواء” :
رغم الأجواء الإيجابية التي حاول البيان الصادر عن الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن إضفائها من خلال الإعلان عن تفاهمات جديدة لوقف إطلاق النار واستكمال المسارين الأمني والسياسي برعاية أميركية، فإن الوقائع الميدانية لا تزال تعكس صورة مختلفة، مع استمرار الغارات الإسرائيلية على مناطق لبنانية عدة واتساع دائرة الاستهدافات لتشمل مناطق بعيدة عن الجنوب.
فالبيان المشترك الذي صدر عن الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل أعلن التوصل إلى تفاهمات تتعلق بوقف إطلاق النار، وتعزيز دور الجيش اللبناني في بسط سيطرته الحصرية على الأراضي اللبنانية، وإخلاء منطقة جنوب الليطاني من أي وجود مسلح غير تابع للدولة، إضافة إلى استكمال المفاوضات خلال الأسابيع المقبلة بهدف التوصل إلى اتفاق شامل. إلّا أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية يطرح تساؤلات حول قدرة هذه التفاهمات على التحوّل سريعاً إلى واقع ميداني يخفف من حدّة الأزمة التي يعيشها لبنان.

وفي موازاة المسار التفاوضي، تواجه الحكومة اللبنانية أكثر التحديات تعقيداً منذ تشكيلها، في ظل الحرب المستمرة بين إسرائيل و«حزب الله» والتي دخلت شهرها الرابع، وما تسببت به من تداعيات أمنية وإنسانية واقتصادية واسعة.
وفي هذا السياق، تؤكد مصادر وزارية لـ«اللواء» أن الحكومة التي تشكّلت أساساً تحت عنوان «الإصلاح والإنقاذ» باتت اليوم أقرب إلى «حكومة إدارة أزمة»، بل إن حجم التطورات الراهنة يجعلها أمام مهمة إدارة أزمة كارثية بكل ما للكلمة من معنى. فالأولوية لم تعد تتركز على الملفات الإصلاحية والاقتصادية، بل أصبحت تتمثل في الحد من تداعيات الحرب وتأمين الحد الأدنى من مقومات الصمود للمواطنين.
وتشير المصادر إلى أن النزوح الداخلي يشكّل التحدّي الأكبر الذي تواجهه الدولة حالياً، بعدما اضطر أكثر من مليون شخص إلى مغادرة منازلهم منذ اندلاع الحرب في الثاني من آذار الماضي. وقد استقبلت بيروت النسبة الأكبر من النازحين، تلتها محافظة جبل لبنان ثم الجنوب، فيما لا تزال مراكز الإيواء تستقبل عشرات آلاف العائلات التي تعذر عليها العودة إلى منازلها بسبب استمرار القصف أو حجم الأضرار.
وتلفت المصادر إلى أن الأرقام الرسمية تعكس حجم الأزمة الإنسانية المتفاقمة، إذ تجاوز عدد الضحايا 3500 قتيل وأكثر من عشرة آلاف جريح، فيما تعرّض لبنان لأكثر من عشرين ألف هجوم وغارة منذ بدء الحرب. كما يقيم أكثر من 127 ألف نازح داخل مراكز الإيواء الرسمية المنتشرة على الأراضي اللبنانية، في وقت تواجه فيه الدولة ضغوطاً متزايدة لتأمين الإيواء والغذاء والمياه والرعاية الصحية والتعليم.
وتؤكد المصادر أن الحكومة تمكّنت منذ الأيام الأولى للحرب من تفعيل خطط الاستجابة الطارئة وغرفة العمليات الوطنية، ما ساهم في استيعاب موجات النزوح الأولى وتأمين مساعدات عاجلة للمتضررين، إلّا أن استمرار الحرب واتساع نطاقها يفرضان أعباء تتجاوز قدرات الدولة اللبنانية وإمكاناتها المالية المحدودة.
وترى المصادر أن القلق الأكبر لا يقتصر على استمرار النزوح، بل يمتد إلى التراجع الملحوظ في حجم التمويل الدولي المخصص للاستجابة الإنسانية. فبحسب المعطيات المتوافرة، لم يتجاوز التمويل الذي تم تأمينه حتى الآن 185.9 مليون دولار من أصل 308.3 ملايين دولار طلبتها الأمم المتحدة والحكومة اللبنانية ضمن النداء الإنساني العاجل لعام 2026، أي ما يعادل نحو 60 في المئة فقط من الاحتياجات المقدرة.
وتعتبر المصادر أن هذه الفجوة التمويلية تشكّل مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن نسبة التمويل خلال حرب عام 2024 بلغت نحو 95 في المئة من المبالغ المطلوبة. كما تسجل تراجعاً ملحوظاً في حجم المساعدات العينية الواردة إلى لبنان، الأمر الذي يهدّد استمرارية البرامج الإغاثية وقدرة الجهات المعنية على تلبية الاحتياجات المتزايدة للنازحين والمتضررين.
وفي هذا الإطار، تستعد الحكومة بالتعاون مع الأمم المتحدة اليوم لإطلاق نداء إنساني جديد يهدف إلى حشد المزيد من الدعم الدولي، فيما تواصل الوزارات والأجهزة المعنية إدارة ملف النزوح وتأمين الحد الأدنى من الخدمات الأساسية رغم الصعوبات المتزايدة.
وبحسب المصادر الوزارية، فإن نجاح الحكومة في إدارة المرحلة المقبلة سيبقى مرتبطاً بمسارين متوازيين: الأول سياسي – دبلوماسي يتمثل في نجاح المفاوضات الجارية في واشنطن في وقف التصعيد العسكري، والثاني إنساني – مالي يهدف إلى تأمين التمويل الدولي اللازم لمواجهة تداعيات الحرب وأزمة النزوح.
وفي انتظار ما ستسفر عنه التفاهمات التي أُعلن عنها في واشنطن، تبقى الحكومة أمام اختبار غير مسبوق، فيما تتزايد المخاوف من أن تتحوّل مهمتها بالكامل من الإصلاح والإنقاذ إلى إدارة أزمة كارثية مفتوحة على مزيد من التعقيدات.






