ماذا التقطت “أنتينات” البيك؟

Betico Steel

كتبت يولا أسطيح في موقع “الكلمة أونلاين” :

في توقيت مدروس جيدا وبمواقف حذرة، خرج الزعيم الدرزي وليد جنبلاط مؤخراً ليقارب الملفات الحساسة وأبرزها التفاوض المباشر مع إسرائيل وكيفية التعامل مع حزب الله وسلاحه. 
وفيما اعتبر كثيرون أن ما أدلى به راعى كل الفرقاء ورسّخ موقعه الوسطي الرافض الجنوح باتجاه خيار كاسر، رأى آخرون أن “البيك” الذي لطالما كان سباقا في قراءة الأحداث والتطورات والتأقلم معها، كان حريٌ به أن يتصدر صفوف الطامحين لحلول نهائية تضع حدا للحروب المتجددة ولهدن تؤسس لصراعات مقبلة.
ولعل أبرز ما ورد على لسان جنبلاط دعوته لأن يؤدي مسار التفاوض مع اسرائيل لإعادة تحرير الجنوب وتثبيت اتفاق الهدنة وترسيم الحدود، مستبعدًا إمكانية “السلام” في المرحلة الحالية.ورأى أن من يدعون إلى السلام الفوري يفترض “يطولوا بالهم” معتبرا أنه خيار يحتاج “إجماعًا لبنانيًا” ناصحا رئيس الجمهورية بالتروي.
وبعد لقائه رئيس المجلس النيابي نبيه بري الثلاثاء، عاد جنبلاط ليؤكد أنه برأيه ورأي بري فإن “أقصى ما يمكن أن يقدمه لبنان العودة إلى اتفاق الهدنة مع تطوير معين”. 
وبذلك يكون جنبلاط خالف “القوات” و”الكتائب” والقوى التي تعرّف عن نفسها ب”السيادية” وحتى رئيسي الجمهورية والحكومة باعتبار أن كل هؤلاء يعولون على أن يؤدي مسار التفاوض المباشر الحالي الى انهاء الصراع بالكامل مع اسرائيل لا تجميده من خلال العودة الى الهدنة. ويتفق البيك برؤيته هذه مع “الثنائي الشيعي” الذي يرفض بالمطلق أي حديث عن سلام. 
كذلك كان اللافت اعتباره “نزع السلاح عملية تفاوضية طويلة قد تؤدي إلى استيعاب حزب الله داخل الدولة”، وهو أيضا بذلك يختلف جذريا مع موقف كل القوى السابق ذركرها ومع التوجه الرسمي اللبناني الذي يعبر عنه رئيسي الجمهورية والحكومة. فحصرية السلاح قرار اتخذ في آب الماضي، والحديث كان عن مهلة أشهر لإنجاز العملية، لا عن مهل مفتوحة تسمح لحزب الله بشراء الوقت والاستثمار في متغيرات اقليمية ودولية مستقبلية.
كما أن طرح استيعاب الحزب وسلاحه داخل الدولة يبدو حتى الساعة مرفوضا من قسم كبير من القوى السياسية المحلية كما معظم القوى الاقليمية والدولية، أضف أن المواقف الأخيرة للحزب وقيادته، وبالتحديد بعد جولة الحرب الاخيرة وموقع طهران فيها، لا توحي اطلاقا بحماسة للانخراط بكنف الدولة لا بل بالعكس تظهر نية بالتمسك بوضعيته الحالية والسعي لزيادة تسلحه وقدراته العسكرية.
ولا تستغرب مصادر سياسية واسعة مواقف جنبلاط هذه، معتبرة أنه “لطالما كان البيك يحيك سياسته وفق ثلاثة عناصر أساسية، أولا، مصلحة الطائفة والمكون الدرزي وهي أولوية جنبلاطية لا تتقدمها أولوية أخرى، وهو على ما يبدو يرى أن المصلحة الدرزية اليوم هي في البقاء في تموضع وسطي في ظل الانقسام العمودي الحاد في البلد بين من يريد الحل النهائي والسلام مع إسرائيل ومن يرفضه تماما ويتمسك بالسلاح والمواجهة”.
أما العنصر الثاني الذي يستند إليه جنبلاط في تحديد مواقفه ورسم سياسته، بحسب المصادر، “فيرتبط بالموقف التاريخي لآل جنبلاط في دعم القضية الفلسطينية وقيام الدولة الفلسطينية. وانطلاقاً من هذا النهج، يرى نفسه ملزماً بمواصلة هذا المسار ودعمه، لذلك يفضّل أن يكون لبنان جزءاً من الإجماع العربي عندما يحين موعد السلام، على قاعدة “السلام مقابل قيام دولة فلسطينية وتحرير الأراضي العربية المحتلة”، لا أن يكون مبادرا لركوب قطار السلام بشكل منفرد”. 
ونصل إلى العنصر الثالث الذي يعد اساسيا في علاقات جنبلاط السياسية الداخلية، اذ يعتبر تحالفه مع رئيس مجلس النواب نبيه بري تحالفا راسخا واستراتيجيا وكيف اذا كان الأمر يتعلق بملف السلام مع اسرائيل
والمفاوضات المباشرة معها!
في المحصلة، يبدو أن “أنتينات” البيك قد التقطت إشارات مرحلة انتقالية دقيقة، حيث لا حسم قريباً ولا تسويات نهائية في الأفق، بل مسار طويل من الكباش غير المحسوم لمصلحة طرف. وبين من يدفع نحو قفزات كبرى ومن يتمسك بالثوابت، يختار جنبلاط مرة جديدة التموضع في المساحة الرمادية، قارئاً التحولات بحذر، ومراهناً على الوقت بانتظار نضوج ظروف داخلية وإقليمية لم تتبلور برأيه بعد!

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد