الدّكتور جوليان صفير – بين الذاكرة والجغرافيا: متى يعود القرار الشيعي إلى حدود الوطن؟

Betico Steel

لم يكن الوجدان الشيعي في لبنان يومًا مجرّد موقف سياسي عابر، بل هو تراكم ذاكرة طويلة من الحرمان والبحث عن الاعتراف والكرامة. هو وجدان تشكّل في قرى الجنوب وحقول البقاع وأحياء الأطراف، حيث عاش الناس عقودًا وهم يشعرون بأنهم على هامش الدولة، ينتظرون إنماءً لا يأتي، وعدالةً مؤجلة، وصوتًا يسمعهم. من هنا، لم تكن المطالبة بالحقوق فعل سياسة فحسب، بل كانت فعل كرامة.

عندما ارتفع صوت الإمام موسى الصدر داعيًا إلى رفع الحرمان، لم يكن يخاطب طائفة بقدر ما كان يخاطب إنسانًا يريد أن يكون شريكًا في وطنه. ثم جاءت سنوات الاحتلال الإسرائيلي، فامتزجت الكرامة بالمقاومة، وصار الدفاع عن الأرض جزءًا من تعريف الذات. في تلك اللحظة، شعر كثير من الشيعة أن التاريخ أنصفهم أخيرًا، وأنهم انتقلوا من هامش المعادلة إلى قلبها.

غير أن التاريخ لا يتوقف عند لحظة واحدة. فبعد التحرير، ومع تعقّد المشهد الإقليمي، بدأ القرار السياسي يتشابك أكثر فأكثر مع حسابات تتجاوز الحدود اللبنانية. هنا بدأ سؤال خافت يتسلل إلى بعض العقول والقلوب: أين ينتهي لبنان وأين يبدأ الخارج؟ وهل يمكن أن يبقى الوجدان الشيعي مرتبطًا حصريًا بمعادلات إقليمية فيما الدولة التي ينتمي إليها تتداعى اقتصاديًا واجتماعيًا؟

Ralph Zgheib – Insurance Ad

الحديث عن معارضة داخل البيئة الشيعية لا يعني نكران التضحيات ولا التقليل من شأنها، بل يعني الاعتراف بأن أي مجتمع حيّ لا يمكن أن يُختزل في صوت واحد. فالطائفة، مثل أي جماعة بشرية، تضم تنوعًا في الرؤى والهموم والأولويات. هناك من يرى أن أولوية المرحلة هي حماية خيار المقاومة مهما كانت الكلفة، وهناك من يتساءل بقلق عن ثمن الانخراط الدائم في صراعات تتجاوز حدود الوطن، فيما شباب الجنوب والبقاع يهاجرون بحثًا عن مستقبل، وأسر بأكملها تغرق في الفقر.

السنّة في لبنان مرّوا بتجربة مشابهة من حيث الارتباط الوجداني بقضايا تتجاوز حدود الدولة، ولا سيما القضية الفلسطينية. لكن التحولات الإقليمية والداخلية دفعتهم تدريجيًا إلى إعادة التركيز على الدولة اللبنانية كإطار أول وأخير. لم يكن ذلك تخلّيًا عن القضايا الكبرى، بل إعادة ترتيب للأولويات. هذه المقارنة لا تهدف إلى استنساخ تجربة، بل إلى الإشارة إلى أن الوجدان السياسي ليس ثابتًا، بل يتبدل وفق ما تفرضه اللحظة التاريخية.

اليوم، ومع الانهيار المالي وتآكل مؤسسات الدولة، يقف الشيعة كما سائر اللبنانيين أمام سؤال وجودي: هل يمكن أن يكون القرار الشيعي قرارًا لبنانيًا أولًا، نابعًا من مصلحة المجتمع داخل حدوده الوطنية، قبل أي اعتبار آخر؟ وهل يمكن فتح باب النقاش الداخلي من دون أن يُفهم ذلك كشقّ للصف أو تهديد للهوية؟

الوجدان الشيعي، في عمقه، هو وجدان كرامة وعدالة وانتماء. وربما التحدي الحقيقي ليس في نفي هذا الإرث، بل في توسيعه ليشمل فكرة الدولة القادرة والعادلة. فالمعارضة، حين تنبع من حرص على المجتمع لا من خصومة عمياء، تصبح فعل محبة لا فعل قطيعة. وهي تعبير عن ثقة بالنفس لا عن ضعف.

وقد كان الإمام محمد مهدي شمس الدين من أكثر من عبّروا عن هذا المعنى حين شدّد على أن الشيعة في لبنان ليسوا أقلية تبحث عن حماية خارجية، بل هم جزء أصيل من نسيج هذا الوطن، وأن انتماءهم النهائي هو للدولة التي يعيشون فيها. كان يرى أن قوة الطائفة لا تتحقق بالانغلاق ولا بالارتهان، بل بالمشاركة الكاملة في دولة عادلة جامعة، وأن الوطن ليس ساحة عبور بل بيتًا نهائيًا.

في ضوء هذا الفكر، قد يكون التحدي اليوم هو استعادة تلك الروح: روح الانتماء النهائي إلى لبنان، والجرأة على المراجعة من داخل البيت، والإيمان بأن الكرامة التي حُمِلت دفاعًا عن الأرض يمكن أن تُحمل أيضًا دفاعًا عن الدولة. فالوطن، في نهاية المطاف، ليس شعارًا يُرفع، بل مسؤولية تُصان.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد