لبنانيّو الاغتراب ولبنانيّو الداخل…
بقلم : د جوزف س . عبيد عميد ركن متقاعد
أبناء وطن واحد فرّقتهم الظروف ووحّدتهم المعاناة
لبنانيو الاغتراب ولبنانيو الداخل كلاهما لبنانيّون، لا فرق بينهما سوى ذاك الفارق البسيط الذي فرضته الحياة: واحد بقي ليحمل الوجع يوميًا، وآخر اضطرت الظروف لأن يحمله معه إلى أقاصي الأرض بحثًا عن كرامة وفرصة. ومع ذلك، يلتقي الاثنان في حبٍّ واحد ووطنٍ واحد يُشبه جرحًا لا يندمل.
لكنّ المؤسف أنّ من غاب عن باله المغترب سنوات طويلة، يتذكّره اليوم فقط عند اقتراب موسم الانتخابات. فجأة يصبح المغترب “موسمًا انتخابيًا”، تُشدّ إليه الرحلات، وتُحضَّر له الخطابات، وتتجمّع حوله الصور التذكارية. وكأنّ كل قصة نجاحه في الخارج، وكل تعبه ودموعه، يختصران في صوت يوضع في صندوق اقتراع.
أين كنا من حاجات المغتربين طيلة السنوات؟
هل خفّضنا لهم ثمن بطاقة السفر حين ارتفعت إلى مستويات جنونية، ليتمكن الطالب في أفريقيا من زيارة أهله، أو العامل في الخليج من احتضان أولاده بعد عامٍ من الغياب؟
هل وفّرنا حماية قانونية للمغترب الذي تعرّض في أفريقيا لخطف أو ابتزاز؟ كم لبناني اضطر أن يحلّ مشكلته بنفسه لأن دولته “مشغولة”؟
هل أمّنا لهم الاستقرار ليستثمروا في بلدهم؟ كم من مغترب اشترى أرضًا أو بدأ مشروعًا فتعرّض للاستغلال أو لفساد إداري جعله ينسحب خائبًا؟
هل حميناه من جشع التجار حين كان يأتي بحقائبه ويحاول مساعدة أهله، ليجد أن أسعار المواد الغذائية والأدوية تفوق قدرته؟
هل قدّمنا لهم معاملاتهم الرسمية بلا إذلال؟ كم مغترب انتظر أشهرًا لاستخراج جواز سفر أو ورقة بسيطة بسبب الروتين، رغم أنه يدفع بالدولار “الفريش”؟
هل أمّنا لهم أمن العودة؟ كم مغترب قرّر عدم المجيء في الصيف لأن حالات الخطف على الطرقات وعمليات السرقة جعلته يشعر بأنه “غريب في وطنه”؟
وعلى المقابل… ماذا قدّم لنا المغترب؟
هو من حفظ قيمة الليرة سنوات بتحويلاته.
هو من أعاد الحياة للسياحة كل صيف، ملأ المطاعم والفنادق، ودفع مليارات الدولارات من عرق جبينه.
هو من بنى بيوت العائلة في الضيعة، ورمّم الكنائس والمساجد، وساعد الجمعيات، ودفع أقساط المدارس لأولاد إخوته.
هو من بقي يتصل يوميًا، يتابع أخبار الوطن ويتألم لأجله أكثر مما يتألم لأجل نفسه.
ومع ذلك… لم نبنِ له سياسة حكومية واحدة تُناسب دوره. لم نوفّر له ملحقية اقتصادية في الخارج، ولا استثمارًا آمنًا، ولا ضمانًا اجتماعيًا يحميه عند عودته. اكتفينا بأن ننتظر قدومه… ليسأل: “شو بدّي آخد معي لأهلي؟”
ثم نتذكّره عند الانتخابات فقط.
لبنان لا ينهض إلا بجناحيه:
جناح الداخل الذي يصبر، وجناح الاغتراب الذي يمدّ البلد بأوكسيجين الحياة.
وحين نعامل أحد الجناحين كأداة موسمية، فلن يُقلع هذا الوطن يومًا.






