هند سليم معوض مكاري كانت تليقُ بكِ الحياة … كيْفَ لمْلمْتِ أوراقكِ ورَحلتِ ؟

Betico Steel

سَئِمتُ تَكاليفَ الحَياةِ وَمَن يَعِشْ
ثَمانينَ حَولاً لا أَبا لَكَ يَسأَمِ
                     زهير بن ابي سلمى

هل سَئمَتْ المرأة الفاضلة العاقلة هند معوض مكاري  تكاليف الحياة في ثمانين العمر فقررت الرحيل ؟

قد لا تكون شئمتْ من متاعب الدنيا وهي صاحبة الوجه البشوش، والبسمة الرضية ،والطلة البهية ،والعِشرة السَنيّة ، ولكنَّ خَبْطَ المنايا أصابها فارداها على قُرْب من زوجها قائد الدرك الذي  أنقذ الكثيرين من براثن الموت ، وعلى قيد انملة من ابنها المهندس والوزير صاحب الباع والسلطانِ فما قدر على تأخير  “الساعة” ولو لثوانِ  ، ولا تمكن الدكتور من أن يقول لها انهضِ وامشِ وارمِ عصاك ، ولا حماها المحامي بمرافعة عن حقها في الحياة ، فأغمضت عينيها على مرأى من فرسانها الابطال ، زياد وكريستيان ومارك ، وهي تردّد ما قاله الشاعر أحمد شوقي يوم استسلم للمشيئة التي لا ترد :” إني امرؤ انتهى فسلام على اولادي وعلى اصحابي “

Ralph Zgheib – Insurance Ad

كلما خسر الكون أمّاً خرَّ من السماء نجْما . وكلما انطفأت شعلةُ الأم في الوجود غمرت العتمة القلوب وافتقدت  الأهلا وسهلا عطر الترحاب في البيوت .” لأنه لا توجد في العالم وسادة أنعم من حضن الأم ، ولا وردة أجمل من ثغرها “.

كل ما قيل ويقال في عزاء فقد الأم يبقى قليلا جدا امام الشعور اللاحق لغيابها الابدي .

إنَّ ما تحلت به الراحلة العزيزة هند تيودور مكاري ، “أم زياد ” ، من فضائل وشمائل ، ومن صفات نبيلة ومزايا جليلة ، وما اكتنزته من بيت أبيها وضاعفته في بيت زوجها ” كصاحب الوزنات الخمس “هو أكثر بكثير مما تحلّت به بنات جنسها لِما أوْكَلَ اللهُ اليها من مهمات خصوصيات فيها مشقات وتضحيات .

فهي اقترنت بضابط أحبته . وحياة الضابط يومذاك على بُعْد من الأهل سكنى وتربية اولاد . والزوجة على خيار من اثنين لا ثالث لهما :  إمّا أن تحمل “بيتها على ظهرها” تنقلا في المناطق اللبنانية بحسب مناقلات زوجها . ومتاعب هذا التنقل المربوط بالمناقلات لا يعرف همّه ومشقاته إلّا الزوجة المرتبطة بزوجها حبا وتضحية وعطاء . وأم زياد حملت هذا الثالوث في قلبها مذ قالت ” نعم ” لحب أبدي للضابط الصار قائدا للدرك بعد ذاك. .
وإمّا السكن الثابت في بلدة الجذور والاصول ،والمُلك والتملّك، وبين الأنسباء والاقرباء وتكون المسؤولية الملقاة على زوجة الضابط المتغيّب عن البيت لواجبه العسكري تتضاعف وتتزايد باستمرار ، وخاصة في تنشأة وتربية وتعليم الاولاد والاهتمام بهم من كل النواحي ، ناهيك عن المترتبات والواجبات المنزلية النِسوية التي تزيد من تشعبات وتعقيدات المسؤوليات .

وتبقى الأم العين الساهرة التي لا تنام في جميع الظروف والأيام . كما يبقى طرف عينها ” رادارا” ينبئها بكل إيلام والجميع نيام .

تيودودر المكاري سليل عائلة زغرتاوية اصيلة حملت فروسيتها على أكتافها ، وراحت تعلّق هذه الفروسية نجوما وسيوفا على إكتاف أبنائها ، فكانوا للضيف ” انت رب المنزل” وللعدو سيوفا تلمع مع الفجر تسقيه كأس الحَنظَلِ .

هذه الشيخة الفاضلة ، المناضلة ، العاقلة ، عقيلة قائد الدرك تيودور المكاري ، وأم الفرسان الثلاثة جنى يديها المباركتين ، المهندس زياد  والدكتور كريستيان والمحامي مارك ، والتي تودعها منطقة زغرتا اليوم على ما جاء في سفر الأمثال :” من يجد المرأة الفاضلة. إن قيمتها فوق اللآلئ ” . وهل بعد أفضل من اللآلئ التي اعطتها ” أم زياد” للوطن ، لزغرتا وللعائلة؟

والقائد العظيم للدرك ‘ابو زياد”،
سيجلس غدا على المصطبة الخارجية متاملا أحوال الدنيا وقد استعصت عليه ، هو الذي كان عَصيّا على العُصاة والطُغاة
والبُغاة ؟! هو الذي كان عصيّا على المجرمين والمنافقين وشذّاذ الآفاق …
سيجلس مستذكرا ما جاء في سفر الأمثال ” رَجُلُها معروفٌ في الأبواب حيث يجلس بين شيوخِ الأرض …وقلبُ رجُلِها يثقُ بها فلا يحتاجُ الى غنيمة تأتيه بالخير دون الشر جميع ايام حياتها”.

ألم تكن كذلك ” الشيخة الزغرتاوية” التي يودعها أهل بيتها، ومنطقتها ، وعارفوها اليوم بدموع الأسى ليس لأن الموت أصابها بل لأن حزن الفراق سيطول؟

رحلت أم زياد . غابت من كانت  “تبسط كفيها الى البائس وتمدّ يديها الى المسكين”  . ألم تكن كذلك أم زياد  في بلدتها وبين عارفيها ؟ وقد تحدث عنها وعن أمثالها سفر الأمثال ليكنَّ عِبرة للأجيال ؟

رحلت مَن كان ”  لباسُها العِزُّ والبَهاء وهي تفرحُ في اليوم
الأخير “. وها هي تغمض عينيها الجميلتين على فرحها وسرورها بأولادها كما كانت تغتبط وتبتهج بهم على قيد الحياة.

في يوم وداعنا الأليم  للشيخة الجليلة هند معوض مكاري ، لِتُمْدَح بأعمالها على كل شَفَة ولسان . لِتُمدح في كل دمعة وكل تعزية . لِتُمدح في كل ذِكر وخَبر . لِتُمدح في كل صلاة ودعاء . لتُمدح في كل تمتمةٍ وطَرْفَةِ عَيْن ، لِتُمْدَح بأعمالها كما جاء في سفر الأمثال القائل: “والمرأة المتّقيةُ للربّ هيَ التي تُمدح ولْتمْدحْها في الابواب أعمالُها” .

يومَ تشرّفتُ بمجالسة بكْرها الوزير المهندس زياد بمعيّة مَن نحبه في جبيلانا الوزير المهندس وليد نصار ،قالت لي “شيبتي” في سرّي : ” هذا وزيرٌ  نَبْتُ بيتٍ طيّبَ الأَعْراقِ . فَصَحَّ فيه القولُ بتصرّف : 
هذا ابنُ مكاري إنْ كنتَ تَعرِفُهُ
بأبيه “اوادمُ “الناسِ قد خُتِموا

الرحمة لفقيدتنا الغالية الشيخة  هند تيودور مكاري . أسكنها الله  في عداد عباده الصالحين وفي فُسْحِ جنّاته  ،”والجنّة تحت أقدام الأمهات “.
جورج كريم
* الروابط*
جبيل في ٢٢ تموز ٢٠٣٢




يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد