ما يؤخذ بالقوّة لا يستردّ الا بالقوّة
بقلم : العميد الركن المتقاعد زخيا الخوري
قصة النفط والغاز ، ليست جديدة في لبنان ، إنما تعود الى زمن حكومة الاستقلال الأولى ، حين استقدمت شركة نفط العراق للتنقيب عن النفط والغاز ، في البرّ والبحر اللّبناني ، وبالتحديد في منطقة جبل تربل في الشمال ، وقد توقّفت عن العمل بضغط اسرائيلي عليها ، وإعترفت بعدها بأن اسرائيل لا تسمح بأي دولة مجاورة لها في التحوّل الى دولة غنيّة ، قادرة على بناء نفسها وقدراتها .
توالت بعدها التأكيدات على وجود النفط والغاز ، اذ في العام 1970 مع البروفيسور توماس غودبليه ، وفي العام 1972 مع الدكتور زياد بيضون الذي أكّد أن النفط يقبع على عمق يتراوح بين الألف والثلاثة آلاف متر . وسنة 1996 أتت شركة “سبيكتروم” البريطانية التي أشارت الى أن لبنان مليء في جوفه بالكنوز الهائلة من النفط والغاز ، ولكن أوقفت عملها وغادرت لبنان بعدما رضخت لتهديدات وضغوطات اسرائيلية كبيرة ، طالبةً منها اعلامها بالأرقام التي يحويها القعر اللّبناني من النفط والغاز ، لأنها تهدف الى الاستيلاء على الثروة الطبيعية اللّبنانية بوسائل عدّة ، ومنها الحفر الأفقي تحت قطاع البحر .
وبعد الإنسحاب الاسرائيلي من لبنان عام 2000 ، بدأت اسرائيل جدّياً عمليات المسح البحري، حيث تبيّن لها أن حوض النفط قبالة الشواطىء اللّبنانية طوله 120 كلم ، وأقرب نقطة له الى جزيرة قبرص تصل الى خمسين كلم .
من هنا ندرك لماذا شنّت واشنطن حرب العقوبات المدعومة بقانون قيصر على لبنان ، وندرك أهداف الاصرار المستمرّ على نزع السلاح المقاومة .
ففي الماضي ، كانت اسرائيل تقرّر مصالحها وتفرضها بالقوّة . أما اليوم ، وبوجود المقاومة ، هي من مكامن القوة في لبنان ، وأي تصعيد سيؤثّر سلباً على الترسيم عموماً ، وعلى التنقيب والاستخراج ، وهي بحاجة ماسّة اليهما لايفاء تعهّداتها والتزاماتها مع أوروبا للتمكّن من وقف تدفّق الغاز الروسي اليها ، ومعاقبة ومنع روسيا من امتلاك المال لتغذية حربها ضد أوكرانيا.
زوّدت اسرائيل بمعلومات مفادها أن الاختبارات الزلزالية أظهرت وجود طبقة جيولوجيّة تحت الأرض ، تبدو واعدة ويمكن أن تحتوي على حوض كبير من الغاز ، وقسم كبير منه موجود في الأراضي اللّبنانية ، لذلك عمدت الى ابقاء الصوت منخفضاً ، ولزّمت المفاوض الأميركي بالمناورة والضغط على لبنان ، وبعيداً عن المقاربة الأمنية أو التهديد ، للمبادرة الى حلّ وسط لإتمام الاتفاق ، وهكذا نفهم ممارسة الحصار الكبير على لبنان بكلّ جوانبه السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية ، لإرغامه على القبول بالترسيم كما فصّل له . كما نفهم لماذا اسرائيل أخّرت الترسيم ، ولم تسمح للبنان أن يكمل التنقيب سابقاً عن النفط والغاز ، كي لا يصبح بلداً نفطياً مجاوراً لها ، قويّ مالياً وعسكرياً ويشكّل خطراً أمنياً عليها .
بعد هذا المسار الطّويل من معرفة وجود النفط والغاز في الأرض والبحر اللّبناني ، في الزمن البعيد والقريب ، والأطماع الاسرائيلية وحلفائها في لبنان ، أرضاً وبحراً ، وخطره عليها اذا استخرج نفطه ، آن الأوان على السّاسة اللّبنانيين أن يعوا ويتوحّدوا على مصالح بلدهم ، ويحافظوا على مكامن قوّتهم ، ويتمسّكوا بالقول : في الإتحاد قوّة ، ولن يفرّطوا بأي حقّ لهم ، وعلى الشعب اللّبناني نبذ الطائفية والتلهّي بها لتكوين لبنان الجديد القويّ ، بحقوقه وماله وعدالته ، ويكفّوا عن الإستقواء بالضعف ، لأن ما أخذ بالقوّة والمراوغة ، لا يستردّ إلّا بالحقّ والقوّة .






