لبنان أمام فرصة لا تتكرّر
كتب جورج سولاج في صحيفة “الجمهورية” :
عندما تتغيّر موازين القوّة، يتغيّر الشرق الأوسط. وهذا ما يحدث اليوم. فما تشهده المنطقة لا يقتصر على حرب جديدة، بل يمثل نهاية نظام إقليمي، وبداية نظام آخر تُعاد فيه صياغة الردع، والتحالفات، ودور الدولة، وقواعد الأمن الإقليمي.
فالنظام الذي نشأ بعد الثورة الإيرانية عام 1979 لم يكن مجرّد تحالف سياسي بين دول وتنظيمات، بل كان منظومة أمنية كاملة، قامت على ثلاثة أعمدة مترابطة: إيران باعتبارها مركز القرار الاستراتيجي، وسوريا باعتبارها العمق الجغرافي ومحور العبور، و»حزب الله» باعتباره القوّة العسكرية الأكثر تنظيماً وفاعلية، إلى جانب الفصائل الفلسطينية المتحالفة مع هذا المحور.

وعلى مدى ما يقارب نصف قرن، فرضت هذه المنظومة معادلات جديدة في المنطقة، وأعادت تعريف مفهوم الردع، وربطت الأمن الإقليمي بفكرة «وحدة الساحات» وتشابك الجبهات.
غير أنّ التاريخ لا يعرف أنظمة دائمة. فخلال سنوات قليلة فقط، تعرّضت هذه المنظومة لما يشبه التفكيك المنهجي. بدأ المسار باغتيال قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني، مهندس المشروع الإقليمي الإيراني. ثم جاءت الضربة الأكبر مع مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وكبار من أركان النظام، في سابقة لم تعرفها الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها. وفي سوريا، سقط نظام بشار الأسد، الذي لم يكن مجرّد حليف لإيران، بل الحلقة التي ربطت طهران ببيروت، والجسر الذي عبرت منه الاستراتيجية الإيرانية إلى شرق المتوسط.
أمّا في لبنان، فقد تلقّى «حزب الله» الضربة الأقسى منذ تأسيسه. اغتيل أمينه العام حسن نصر الله، وسقط معظم الجيل التاريخي لقيادته العسكرية والأمنية، وفي مقدّمهم، هاشم صفي الدين، فؤاد شكر، علي كركي، إبراهيم عقيل، إبراهيم قبيسي، وسام الطويل، ثم يوسف إسماعيل هاشم، هيثم علي طبطبائي، وغيرهم من القادة الذين شكّلوا لعقود العمود الفقري للبنية العسكرية للحزب.
وفي غزة، فَقَدت حركة «حماس» أبرز قادتها باغتيال إسماعيل هنية، ويحيى السنوار، وصالح العاروري…
عندما تُقرأ هذه الوقائع منفصلة، تبدو سلسلة من الاغتيالات. أمّا عندما تُقرأ مجتمعة، فإنّها تكشف عن شيء مختلف تماماً: إعادة تشكيل لموازين القوة في الشرق الأوسط. ولعلّ المؤشر الأكثر دلالة إلى هذا التحوُّل، أنّ المواجهة لم تشهد في المقابل اغتيال أي مسؤول أميركي، أو إسرائيلي. وهذه ليست مسألة دعائية، بل حقيقة استراتيجية.
فالردع لا يُقاس بعدد الصواريخ التي تُطلق، بل بقدرة كل طرف على فرض كلفة متكافئة على القيادة العليا للطرف الآخر. وعندما تصبح الخسائر القيادية الكبرى من جانب واحد، فإنّ ميزان الردع يكون قد دخل مرحلة مختلفة، مهما كانت الخطابات السياسية.
لهذا، فإنّ الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأنّ المنطقة تعيش مجرّد هدنة بين حربَين. فالشرق الأوسط يدخل نظاماً أمنياً جديداً، تتراجع فيه التنظيمات المسلحة لمصلحة الدولة، وتتقدّم فيه الحسابات الاقتصادية والاستقرار الإقليمي على منطق الحروب المفتوحة. وما كان ممكناً قبل عقدَين، قد لا يكون ممكناً اليوم، ليس بسبب تبدّل الإرادات فقط، بل بسبب تبدّل البيئة الاستراتيجية نفسها.
ولبنان يقف اليوم عند قلب هذا التحوُّل. فالمسألة لم تعُد تقتصر على نقاش داخلي حول سلاح «حزب الله»، بل أصبحت جزءاً من رؤية أميركية وأوروبية وعربية أوسع لإعادة بناء النظام الإقليمي. ومن هذا المنطلق، فإنّ المشروع الذي يقوده رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لاستعادة الدولة لقرارها السيادي، وترسيخ احتكارها وحدها للسلاح وقرار الحرب والسلام، لم يعُد مجرّد برنامج إصلاحي، بل أصبح يتقاطع مع الاتجاه العام الذي تسلكه المنطقة. ونجاح هذا المسار لا ينبغي أن يُقرأ كانتصار لفريق على آخر، بل كفرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة اللبنانية على أسس الاستقرار والسيادة.
ويبقى أهل الجنوب أكثر من دفع ثمن المرحلة التي تنقضي اليوم. فمنذ عام 1969، أي منذ سبعة وخمسين عاماً، عاش الجنوب اللبناني تحت وطأة الحروب والاحتلالات والاجتياحات والدمار والتهجير، وتحوَّلت قراه مراراً إلى ساحة مواجهة مرتبطة بالقضية الفلسطينية وبالصراع الإقليمي. ومن حق أبناء الجنوب، بعد كل هذه التضحيات، أن يعيشوا أخيراً حياة طبيعية، وأن يعيدوا بناء منازلهم وقراهم وأرزاقهم، وأن يطمئنّوا إلى أنّ ما يعمّرونه اليوم لن يتحوَّل غداً إلى أنقاض في حرب جديدة.
لهذا، فإنّ العودة إلى منطق الهدنة لم تعُد تكفي. فالهدنة، بطبيعتها، توقف إطلاق النار لكنّها لا تُنهي أسباب الحرب، ولا تمنع إعادة التسلح، ولا تحول دون انفجار جولات جديدة من القتال. وما يحتاج إليه لبنان ليس هدنة جديدة، بل تسوية مستقرة تضمن أمن حدوده، وتحمي شعبه، وتفتح الباب أمام إعادة الإعمار والتنمية والاستثمار.
أمّا حملات التخوين، فلن تغيّر حقائق التاريخ. فالسياسات تُقاس بنتائجها لا بشعاراتها. والسؤال الذي يفرض نفسه، بهدوء ومن دون انفعال، هو: هل أدّى قرار إسناد يحيى السنوار إلى حماية غزة؟ وهل جنَّب الجنوب اللبناني الحرب والدمار؟ أم أنّ النتيجة كانت كارثة إنسانية في غزة، ودماراً واسعاً في الجنوب، وخسائر استراتيجية غير مسبوقة لمحور بأكمله؟
هذه ليست دعوة إلى التخلّي عن دعم القضية الفلسطينية، ولا إلى إعادة كتابة التاريخ، بل دعوة إلى استخلاص دروسه. فالقضايا العادلة لا تُدار بالشعارات والشتائم وإنكار الحقائق، بل بحسابات دقيقة للمصالح وموازين القوى، لأنّ مسؤولية القيادة ليست فقط خوض المعارك، بل أيضاً معرفة الخروج من أتونها، والأفضل بالأساس تجنّبها.
لقد بدأ النظام الإقليمي المتهالك يطوي صفحته الأخيرة. أمّا السؤال الذي سيُحدِّد مستقبل لبنان، فهو ما إذا كان سيختار أن يكون جزءاً من الشرق الأوسط الذي يتشكّل، أم آخر المدافعين عن شرق أوسط انتهى؟






