من سقوط السرديّات إلى امتحان الدولة
أنطوان العويط:
ليست القضيّة اليوم في أفول شعارٍ أو انطفاء رواية، بل في سقوط مرحلةٍ كاملة قامت على معادلاتٍ قُدّمت للبنانيين بوصفها حقائق نهائيّة لا يطالها الشك. غير أنّ الميدان، كعادته، كان الحكم الأخير. فالوقائع لا تعترف بما تشعله المنابر من حماسة، بل بما يبقى قائمًا عندما ينقشع دخان الحروب. وحين تأتي النتائج مناقضة للوعود، تتهاوى السرديّات مهما بلغت قدرتها على التعبئة، ويتحوّل الخطاب الذي ادّعى صناعة التاريخ إلى شاهدٍ على زمنٍ مضى.
لقد انهارت منظومةٌ أُحيطت بهالةٍ من القدسيّة السياسيّة والعسكريّة، وتبدّدت المرتكزات التي قيل إنّها الضمانة الوحيدة لأمن لبنان وسيادته. كما تلاشت مسلّمة الردع بعدما خرجت أدواتها الاستراتيجيّة من الحساب، وانكشف وهم حماية الأرض مع اجتياح القوات الإسرائيليّة القرى الجنوبيّة وتجدّد الاحتلال وتوسّعه، مخلّفًا أنهارًا من الدماء، وخرابًا واسعًا، وجراحًا غائرة في البشر والحجر يصعب أن تمحوها السنون. فيما كشفت الحرب حدود القوّة العسكريّة عندما تنفصل عن الدولة، وعجزها عن التحوّل إلى شرعيّةٍ وطنيّة أو نفوذٍ سياسيّ مستدام.
وسط هذا المشهد، وُوجه الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل بوصفه اتفاق إذلال واستسلام، لكنّ المفارقة أنّ الأصوات التي رفضته لمّا تهاوت بدائلها وفشلت، لم تُفلح في تقديم مسارٍ آخر، مقنعٍ وقابلٍ للتحقّق.
في الوقت عينه، يتجاهل هذا الحكم حقيقةً أساسيّة. فهو لم يولد في ظروف سياديّة طبيعيّة حتى يُقاس بمعايير الكمال، بل خرج من رحم أزمةٍ صنعتها سنوات من تمرّد السلاح على الدولة، وارتهان الإرادة الوطنيّة لمحاور إقليميّة عطّلت الدستور، وصادرت القرار الوطنيّ، وأفرغت السيادة من مضمونها. وهكذا انتقل لبنان، تباعًا، من موقع الدولة إلى موقع الساحة، ودُفع إلى حروبٍ لم يقرّرها وتعبّر عن مصالح وحسابات تجاوزت حدوده وكيانه.
ولم يكن هذا المسلك نتيجة استسلام اللبنانيين، فقد استُنفدت كل محاولات المعالجة، من طاولات الحوار الوطنيّ إلى إعلان بعبدا، ومن الحوار الرئاسيّ إلى القرارات الحكوميّة، من دون أن تستعيد الدولة حقّها الحصريّ في قرار الحرب والسلم أو احتكار السلاح.
هكذا استمرّت البلاد تدفع أثمان ازدواجيّة القرار، من سيادتها واقتصادها واستقرارها، إلى أن جاءت حرب الإسناد ثمّ حرب الثأر لتؤكد، بما خلّفتاه من كلفة بشريّة وعمرانيّة وسياديّة باهظة، أنّ استمرار هذا النهج لم يعد ممكنًا، وأنّ استعادة الدولة لم تعد مطلبًا سياسيًّا أو أولويّةً مؤجّلة، بل غدت شرطًا لبقاء لبنان نفسه.
من هنا، ينبغي النظر إلى الاتفاق الإطاريّ بوصفه فرصة لإعادة بناء الدولة واستعادة الأرض والقرار الوطنيّ.
إنّه يفتح الباب أمام تكريس سيادة الدولة على كامل ترابها خطوةً بعد أخرى، وتعزيز احتكارها الشرعيّ للقرار الأمنيّ، والسعي إلى تحييد لبنان عن صراعات الإقليم، بما يتيح إعادة وصل الأمن بالاقتصاد والسياسة الخارجيّة ضمن رؤية وطنيّة متكاملة.
وهذا المنحى ليس استثناءً في امتحان الدول الخارجة من النزاعات، بل يكاد يكون قاعدتها. فقد أثبتت تجارب إيرلندا الشماليّة العام 1998 وكولومبيا العام 2016 أن استعادة السيادة لا تتحقّق بقفزة واحدة، بل بمراحل متدرّجة تُبنى فيها الثقة، وتتقدّم فيها الدولة بوتيرة متصاعدة، شرط ألاّ تتحوّل المرحلة الانتقاليّة إلى واقع دائم أو تسوية مفتوحة بلا نهاية.
المضحك المبكي أنّ ما يُرفض اليوم في تفاوض لبنان مع إسرائيل، أي الانتقال المرحليّ من حالةٍ إلى أخرى، سيغدو القاعدة نفسها إذا كُتب النجاح للتفاوض بين واشنطن وطهران.
مع ذلك، فإنّ النجاح في لبنان يبقى رهين ثلاثة اختبارات مترابطة. أوّلها التزام إسرائيل وعدم تحويل الخروقات إلى وسيلة لإفشال المسار؛ وثانيها قدرة الدولة اللبنانيّة، بجيشها ومؤسّساتها، على تحمّل مسؤوليّاتها رغم أزماتها العميقة؛ وثالثها استعداد القوى اللبنانيّة، وفي مقدّمتها “حزب الله”، لتغليب منطق الدولة على منطق المحاور. أمّا الدعم الأميركيّ والدوليّ والعربيّ والخليجيّ، على أهميّته، فلا يستطيع أن يعوّض غياب الإرادة الوطنيّة، لأنّ الضمانات الخارجيّة قد تواكب بناء الدولة، لكنّها لا تستطيع أن تبنيها بدلًا من أبنائها.
لقد أثبتت التجربة أنّ الهويّات العابرة للحدود، قوميّةً كانت أم مذهبيّةً، تتحوّل، عندما تنافس الدولة، إلى مصدرٍ للانقسام والاستنزاف. وهذا أمرٌ ليس محصورًا بفئةٍ أو بدولة، ولا هو بجديد علينا أو وليد البارحة. أمّا الدولة، على الرغم من كلّ ما تعانيه من ضعف، فتبقى الإطار الوحيد القادر على صون التعدّدية، وتمتين الوحدة، وتجنيب لبنان المخاطر.
غير أنّ المطلوب اليوم ليس الاحتفال بانهيار سرديّة أو إعلان انتصار وهميّ لفريق على آخر، فالأوطان لا تُبنى على هزيمة مكوّناتها. المطلوب مراجعة وطنيّة شجاعة تعترف بأنّ الوقائع قد تغيّرت، وأن التمسّك بخطابات تجاوزها الزمن لا يحمي وطنًا ولا يصنع مستقبلًا. ومن هنا، لا يُطلب من أصحابها التخلّي عن جمهورهم، بل أن يجعلوا لبنان جمهورهم الأكبر، والدولة مرجعيّتهم الأولى، والمصلحة الوطنيّة السقف الذي يعلو على كلّ محور أو ارتباط.
إنّ لبنان لا يحتاج إلى روايةٍ جديدةٍ تبرّر الماضي، بل إلى مشروعٍ وطنيٍّ يؤسّس للمستقبل؛ ولا إلى رهاناتٍ على موازين القوى الخارجيّة، بل إلى دولةٍ تستعيد قرارها وسيادتها، وتغدو المرجعيّة الوحيدة التي يلتقي عندها جميع اللبنانيين. تلك وحدها المعادلة القادرة على أن تنهض من بين أنقاض المرحلة الماضية، لتشكّل البدايةَ الفعليّةَ لقيام الدولة التي طال انتظارها.






