تكتيك إيراني أم إستراتيجية أميركية؟
كتب المحامي أنطونيو فرحات في صحيفة “نداء الوطن” :
إبان هزيمة نظام صدام حسين في العراق عام 2003 والدخول الأميركي أعدّ الإيرانيون اقتراحاً شاملاً لصفقة ضخمة محتملة بينها وبين الأميركيّون تعالج نقاط النزاع بينهما.
غير أن الملفت بالموضوع هو أنه لم يكن على علم بهذا الإقتراح ويشارك في إعداده سوى دائرة مغلقة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة من الذين كانوا من صُنّاع القرار بإيران، وعلى رأسهم المرشد الأعلى للثورة علي خامنئي.

تفاﺟأ الأميركيّون وانذهلوا من مضمون الإقتراح، وإعتبروه مدهشاً وغير متوقع. لماذا؟ نظراً لما تضمنه من تنازلات إيرانية، لعلّ أبرزها كان وقف دعم إيران لحماس والجهاد الإسلامي، أمّا بالنسبة إلى حزب الله، دُرَّة التاج، فقد عرضوا نزع سلاحه وتحويله إلى حزب سياسي صرف، أما الأهم، كان فيما يتعلق بالبرنامج النووي، حيث عرض الإيرانيون فتح البرنامج النووي العائد لهم بالكامل أمام عمليات تفتيش دولية غير مقيّدة. تجدر الإشارة إلى أنه، وقتها، لم تكن إيران متقدمة في برنامجها النووي كما هي حالها اليوم.
لم ينتهِ الموضوع عند هذا الحد، إذ وافقت إيران أيضاً ضمن الورقة المقترحة على تبنيها لإعلان بيروت الصادر عن القمة العربية للسلام عام 2002، التي عرض فيها العرب نيتهم لإبرام سلام جماعيّ مع إسرائيل، مقابل موافقة الأخيرة على الإنسحاب من الأراضي المحتلة والقبول بدولة فلسطينية مستقلة بالكامل.
في المقابل، كانت إيران تطلب من أميركا رفع العقوبات عنها، وعدم التدخل في شؤونها، وإحترام حقها بالوصول غير المقيد إلى التكنولوجيا النووية والبيولوجية، كما الإعتراف بالمصالح الأمنية الإيرانية المشروعة في المنطقة.
هذا كان بالأمس، بحيث أن أميركا لم تُعر تلك الورقة الإهتمام والرعايا الكاملة بسبب التدخلات الإسرائيلية على صُنّاع القرار في واشنطن، من خلال تظهير إيران على أنها على رأس محور الشر في العالم، وسعيها الدؤوب للتباعد بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية.
أما اليوم، وفي ظل المباحثات المباشرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، كأن الأمس القريب عاد ليطل برأسه ويضع تلك الورقة المنسية والمهملة قيد التداول من جديد.
فها هي أميركا اليوم توقع على إعلان نوايا مع إيران، حيث تُقرّ فيه نيتها برفع العقوبات عن إيران ضمن شروط، وإعادة جزء من الأموال المحتجزة، وإعتراف ضمنيّ لحينه بحقوقها المشروعة الأمنية في المنطقة، سيّما على مضيق هرمز.
في المقابل، تعود إيران لتتبنّى مضمون ما وقّع عليه المرشد الأعلى السابق شخصياً علي خامنئي، مستلهمةً منه رغبته وإرادته ورؤيته.
فهل كانت الحرب ضرورية لعودة الطرفين إلى بحث تلك الورقة السرّية المنسية؟! وهل كان إعادة صلاحية مضمون تلك الوثيقة بحاجة إلى كل تلك الدماء لتنعشها وتعيدها قيد التداول؟ أم أن الإقتصاد الأميركي المترنّح بحاجة لفرض سيطرته على مصادر الطاقة والممرات والمضائق المائية لحماية نفسه من الإنهيار؟ في كل الأحوال، إن لعبة الأمم على طاولة الشطرنج لا بدَّ لها من أن تُطيح ببعض المكاسب وتخسر بعضها، سعيًا إلى تحقيق مكتسبات أكبر وفرض واقع مغاير، ولو بعد حين. أما السؤال الأبرز هل ستقف إسرائيل مكتوفة اليدين أمام هذا التقارب، وهي التي لطالما حاربته وفشلته خوفاً من أن تبتعد عنها أميركا إذا وجدت مصالحها مع إيران أم أنها ستتدخل عندما يقترب هذا التفاهم من أن يبصر النور وتفشله كعادتها؟!






