المواطنة في لبنان: وعيٌ يُبنى ومسؤوليةٌ تُمارس

Betico Steel

كتبت علا غريزي:

قد يلاحظ القرّاء أنني أركّز كثيراً في الآونة الأخيرة على موضوع المصلحة الوطنية العامة وعلى مفهوم المواطنة، وأعود إليهما في معظم ما أكتب وأنشر. والسبب بسيط وواضح؛ فنحن نعيش مرحلة تزداد فيها الحاجة إلى خطاب وطني مسؤول في وقت تمتلئ فيه المنصات الإعلامية ومواقع التواصل بآراء ومنشورات لبعض المؤثرين الذين تكشف كتاباتهم عن ضحالة في الوعي الوطني وضعف في الإحساس بالمسؤولية تجاه المجتمع.
فبدلاً من أن تكون الكلمة أداةً لبناء الوعي وتعزيز الحوار، أصبحت في كثير من الأحيان وسيلة للسخرية والاستهزاء وإثارة الغرائز والانقسامات. ونقرأ يومياً محتويات تُغذّي التعصب، وتروّج لخطاب الكراهية، وتُقدَّم للناس على أنها مواقف جريئة أو آراء حرة، فيما هي في الواقع تساهم في تعميق الشرخ بين أبناء الوطن الواحد. والأخطر من ذلك أن هذا النوع من الخطاب يجد من يصفق له ويتفاعل معه، فيتحول تدريجياً إلى ثقافة تُضعف الحس الوطني وتشوّه مفهوم المواطنة.
إن الأزمات التي يعيشها لبنان اليوم لا تقتصر على الانهيار الاقتصادي أو التعثر السياسي أو الضغوط الاجتماعية، انما تمتد إلى تراجع الوعي العام وتقدّم المصالح الفردية والفئوية على حساب المصلحة الوطنية. وعندما يضعف الشعور بالمسؤولية المشتركة، يصبح تحقيق أي إصلاح أكثر صعوبة.
من هنا تأتي أهمية المواطنة، فهي الأساس الذي تقوم عليه أي دولة تسعى إلى الاستقرار والتقدم. فالمواطنة تعني أن يشعر الإنسان بأنه شريك في وطنه، وأن حقوقه وواجباته ترتبط بحقوق وواجبات الآخرين، كما تعني احترام القانون، والمحافظة على المؤسسات العامة، والمشاركة الإيجابية في معالجة التحديات والعمل من أجل الصالح العام.
لقد اعتاد اللبنانيون على الاختلاف في السياسة والخيارات والانتماءات، لكن الوطن بقي المساحة المشتركة التي تجمعهم. وكلما تقدّم الانتماء الوطني على الولاءات الضيقة، ازدادت قدرة اللبنانيين على مواجهة الأزمات وتجاوز المحن.
وفي ظل الظروف الراهنة، يحتاج لبنان إلى إعادة ترسيخ ثقافة المواطنة في الوعي المجتمعي بالتوازي مع أي مشروع إصلاحي. فالدولة القوية لا تقوم على القوانين والمؤسسات وحدها، بل على مواطنين يؤمنون بدورهم في حماية الدولة وتطويرها. لذلك يبقى أي إصلاح محدود الأثر ما لم يرافقه وعي يعزز قيم المسؤولية والانتماء والمشاركة.
كما أن المواطنة تفرض علينا الارتقاء بخطابنا العام. فالنقد حق مشروع والاختلاف أمر طبيعي، لكن خطاب الكراهية والتخوين والشتائم لا ينتج حلولاً ولا يبني أوطاناً. لذلك، علينا بالحوار القائم على احترام الرأي الآخر والبحث عن القواسم المشتركة لمعالجة الخلافات وتعزيز الاستقرار.
ويتحمل الشباب مسؤولية خاصة في هذا المجال، فهم الأكثر قدرة على إحداث التغيير الحقيقي. فالمواطنة تُقاس بالممارسات اليومية؛ من احترام النظام العام والمحافظة على الممتلكات العامة، إلى رفض الفساد والمبادرة إلى خدمة المجتمع وتقديم المصلحة الوطنية على أي اعتبارات أخرى.
إن ما يحتاجه لبنان اليوم هو مواطن واعٍ يؤمن بأن الوطن أكبر من الأحزاب والطوائف والمصالح الضيقة، وأن قوة الدولة تنبع من قوة مواطنيها وإيمانهم بها. وعندما يتحول الانتماء إلى الوطن إلى سلوك يومي ومسؤولية مشتركة، يصبح من الممكن الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء دولة أكثر عدالة واستقراراً وازدهاراً.
فالأوطان لا تنهض بالكلمات وحدها، وإنما عندما تتحول المواطنة إلى ثقافة راسخة، والثقافة إلى سلوك، والسلوك إلى مسؤولية يلتزم بها الجميع من أجل وطن يستحق أن يكون أفضل.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد