لودريان المتفائل الحذر وصفيح الانتظار اللبنانيّ!
كتب جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة اللبنانية في صحيفة “الجمهورية” :
مَن التقى موفد الرئيس الفرنسي إلى لبنان جان إيف لودريان خلال زيارته أواخر الأسبوع الماضي إلى بيروت، خرج بانطباعات زادته حيرة، لأنّه سمع كلاماً يخالف واقع الأرض على وقع التحدّي المستعر بين إيران وإسرائيل، واستمرار العنف جنوباً والتهديد بقصف العاصمة اللبنانية وضاحيتها الجنوبية.
لودريان تحدّث عن وقف لإطلاق النار، تواكبه أو تعقبه مباشرة صيغة تكون أكثر من اتفاق وأقل من سلام وتطبيع. لكنّه لم يوضح ماهية هذه الصيغة التي تتجاوز الاتفاق، وحدودها السياسية والأمنية. وهل تماثل اتفاق السابع عشر من أيار أو تتجاوزه، وما هي حدود هذا التجاوز التي تضمن انعتاق الاتفاق من قيود تجهضه وهو في مرحلة الإعداد؟ خصوصاً أنّ السابع عشر من أيار الذي كان قد استوحى العديد من الأفكار الواردة في اتفاق الهدنة الموقّع بين الجانبَين اللبناني والإسرائيلي في الثالث والعشرين من آذار 1949 بمنطقة رأس الناقورة، لم يعمّر طويلاً، لأنّه لم يتمتع بحاضنة شعبية، في حين حظي بتغطية سياسية نيابية من مجلس العام 1982، قبل أن تطيح به حركة السادس من شباط 1984 وما سبقها وتلاها من تطوُّرات سياسية في مؤتمرَي لوزان وجنيف من نتائج ميدانية وسياسية.

لكنّ استنساخ تلك المرحلة وإسقاطها على الواقع الحالي لا تصح كلياً لتبدِّل المعطيات والأحوال والرؤى منذ اثنتَين وأربعين عاماً، خصوصاً في هذه المرحلة التي تشهد تبدُّلاً في القناعات والأولويات، وولّدت انقسامات عمودية قد تأخذ البلاد إلى مدارات أكثر خطورة.
النبرة التفاؤلية للودريان تبقى مشوبة بشيء من الحذر، لأنّ تجربة فرنسا الطويلة في لبنان ومعاينتها النجاحات النادرة والخيبات الكثيرة، وهي التي كانت حجر الرحى في الكثير من المبادرات، حتّمت عليها عدم الإفراط في التوقعات «السارة». فلا مفهوم العداء لإسرائيل ليس كما كان منذ عقود، وكذلك اللامبالاة، وعدم الخشية من المجاهرة بضرورة كسر «التابو» في ما يتصل بالعلاقة معها.
ولباريس ذات العلاقة الجيدة مع الطائفة الشيعية وقياداتها، ولاسيما رئيس المجلس النيابي نبيه بري، وحتى «حزب الله» التي استبقت صلات مقبولة معه، على رغم ممّا ساقته إليه من انتقادات بسبب حرب «إسناد غزة» وإطلاق الصواريخ في الثاني من آذار الماضي، وما أعقبه من تدحرج درامي للأوضاع، مخاوف ومحاذير مستمدة من التجارب السابقة. ولذا، فإنّها ترى أنّ أحد شروط أي مبادرة التحلّي بالواقعية، وعدم إغفال ما يحققه أي تقدُّم على المسار الأميركي – الإيراني في مفاوضات إسلام آباد، في دفع وساطة واشنطن التي فضّلها لبنان على سواها قدماً لإرساء الحل المنشود.
فبين ترجُّح الموقف الأميركي في هذا الاتجاه أو ذاك، وتنقّل طهران بين ضفّتَي التصعيد والمرونة، والتفاؤل الفرنسي ومعه الأوروبي على شفا الحذر، ومحاولة العرب اختراق دائرة الخوف والعجز بالمبادرة المتعدِّد الجانب، يتقلّب لبنان على صفيح الانتظار الذي يصعب التكهن بمدته.






