لبنانان في وطن واحد
كتب أنطوان العويط :
في لبنان، لا يعيش الناس في وطن واحد، بل في وطنين متجاورين لا يتصافحان إلاّ نادراً.
وطنٌ يحتلّ الشاشات، يتغذّى من ضجيج المواقف المتضاربة، والعناوين العاجلة وأرقام الضحايا وأصداء الحروب. وطنٌ تُرسم فيه المخطّطات على طاولات بعيدة عن نبض الشوارع وأنين البيوت. وفي الجهّة الأخرى، ثمّة وطن أعمق صمتاً وأكثر صدقاً. وطنٌ يستيقظ قبل أن ينهض الضوء من فراشه، ويعود إلى بيته بعدما تطوي الشمس آخر صفحات النهار. وطنٌ يحتضن فيه الناس توجّسهم كما يعانقون ظلالهم؛ يخرجون إلى أعمالهم ويعودون منهكين بأسئلة لا تهدأ. أين ينامون الليلة؟ تحت أيّ سماء أكثر أمناً؟ وكيف يؤمّنون لقمة العيش، وأقساط المدارس، ومستقبلاً لا ينهار تحت سطوة الخوف؟
بين هذين الوطنين مسافة لا تُقاس بالجغرافيا ولا تُختصر بالأرقام، بل بمقدار ما ينفصل الوهم عن الواقع، والموت عن الحياة، والسياسة عن الإنسان.
في سكون الفجر، يدير سائق التاكسي محرّك سيارته كمن يوقظ رفيقاً قديماً من نوم مرهق بالحلم، فيما المدينة تتثاءب تحت ضوء مصابيح شاحبة كأنّها بقايا نجوم لم تكتمل.
يندفع إلى شوارع شبه خالية، ترافقه أخبار عن تصعيد وحروب تتّسع بلا ملامح. لا يملك ترف التفكير بالسياسات الكبرى، لكنّه يدفع ثمنها كلّ يوم. فقرار بعيد عند مضيق ما قد يعود عليه غداً وقوداً بكلفة أعلى، وحياة أضيق، وفاتورة جديدة تُضاف إلى أعبائه المتراكمة.
يوجّه سيارته كما يقود حياته؛ بعين على الطريق كي لا يضلّ وجهته، وبعين أخرى على الأخبار خشية أن يتسلّل القصف فجأة. وبين إشارة مرور وأخرى، يطارد رزقه كما يتعقّب صياد متعب آخر خيوط الضوء على ماءٍ مضطرب لا يهدأ.
يتوقّف أمام بناية عتيقة أنهكها الزمن، فيصعد معلّم في طريقه إلى المدرسة. يتبادلان تحيّة الصباح، وتولد بينهما تلك الألفة اللبنانيّة السريعة التي تختصر سنوات في دقائق.
يحمل المعلّم حقيبة مجهدة بالدفاتر، وقلق جيلٍ بأكمله. يتحدّث عن القلةّ والعوز والحقوق المهدورة كما عن مصير الامتحانات الرسميّة، وعن طلاب يسألونه كلّ يوم إن كانوا يدرسون للمستقبل أم يستعدّون للرحيل عنه. يخبره عن تلامذة يحفظون أسماء جامعات الخارج كما تُحفظ الأماكن في الرؤى، فيما تتراجع أسماء المدن اللبنانيّة في مسارات الطموح.
يبتسم وهو يتكلّم، بما يشبه نافذة مضاءة في ليلٍ ماطر؛ تمنح الدفء من الخارج، وتخفي في الداخل عالماً من الاضطراب. وعندما يترجّل أمام المدرسة، يبقى سؤاله معلقاً حول كيف تنتصر المعرفة في بلد يخوض على مدار الثواني معركة بقاء؟
يتابع السائق البائس المفلس المعدم رحلته بمحاذاة الجامعة، فيخفّف سرعته من غير سبب واضح، كأنّ شيئاً خفيّاً يدفعه إلى تأمّل المشهد. تحت ظلال الأشجار يجلس الطلاب حول كتب مفتوحة، لكن أعينهم لا تستقرّ على الصفحات بقدر ما تسرح نحو أفق أبعد. بالنسبة إليهم، يحمل لهم حزيران هذا امتحان العمر كلّه. ماذا بعد التخرّج؟ هل تبقى الشهادة ورقة أخرى تُضاف إلى ملف انتظار طويل؟
يتأمّلهم السائق، فيتذكّر ابنه الذي يقترب من العمر نفسه، ويشعر أنّهم يشبهون أسراب سنونو تستعدّ للتحليق فوق بحر هائج؛ تمتلك أجنحة المنى، لكّنها لا تعرف أيّ الرياح ستقذف بها.
وعندما ينعطف نحو الطريق المؤدّي إلى المستشفى، تقع عيناه على ممرّضة تسرع في خطواتها قبل بدء نوبتها.
خلف أبواب المستشفى تتكدّس حكايات معلّقة بين الألم والرجاء. مرضى ينتظرون جرعة دواء، وأمّهات ينتظرن خبراً يخفّف الخوف، وآباء يتشبّثون بأمل صغير وسط بحر من الانقباض.
تعرف الممرّضة أنّ الوجع لا يعترف بالمواعيد السياسيّة، وأنّ المرض لا ينتظر تسويات ولا مفاوضات. حين يتألم الإنسان، لا يسأل عن خرائط النفوذ، بل عن يد تمتدّ إليه، ودواء متوافر، وكلمة حنان تبدّد وطأة التوتّر.
تمضي إلى عملها بخطوات ثابتة، فيما يفكّر السائق بأولئك الذين بقوا أوفياء لرسالتهم، رغم
ضيق حالهم وتعسّرهم ومواردهم المحدودة، مع أنّ أبواب العالم فُتحت أمام تخصّصهم على مصاريعها.
وعلى مسافة قصيرة من المستشفى، يرفع صاحب متجر صغير بابه المعدنيّ ببطء، كأنّه يزيح عن يومه ستارة ثقيلة من الهموم. يوضّب البضائع بعناية أبٍ يرتب حاجيات أطفاله، ويعاين الرفوف كما يتفقّد مزارع حقله في موسم شحيح.
لا ينشغل بعدّ المدخول الضئيل، بقدر ما ينكبّ على إحصاء أسباب الصمود في مواجهة واقعٍ شحّت فيه الحيلة وانعدمت المخارج. يعرف زبائنه واحداً واحداً، ويقرأ في وجوههم ما تعجز الكلمات عن قوله. موظف ينكمش راتبه دون أن تتقلّص حاجاته، ومتقاعد يحسب نفقاته في ذهنه مرّات قبل أن يمدّ يده إلى جيبه، وأمّ تخفي أمام أطفالها، وخلف ابتسامتها، دفاتر طويلة من الحسابات المؤجلة.
متجره ليس مكاناً للبيع والشراء فحسب، بل مرآة صغيرة تنعكس عليها أحوال البلد كله؛ أفراحه النادرة، ومتاعبه اليوميّة، وأمانيه التي ما تزال تقاوم الانطفاء.
ومع انحدار الشمس نحو المغيب، كان سائق التاكسي قد أمضى نهاراً كاملاً يتنقل بين شوارع المدينة. لكنّه لم يكن يجتاز الطرقات بقدر ما كان يعبر حياة اللبنانيين. فقد أدرك أنّ من التقاهم لم يكونوا مجرّد أشخاص، بل صفحاتٍ ناطقة من الملحمة اللبنانيّة، يحملون الوطن فوق أكتافهم التعبة، ويواصلون كتابة فصول صموده بصبرٍ نادر وإيمانٍ لا ينكسر.
وحين أطفأ محرّك سيارته مع آخر خيط من الضوء، بدا له أن لبنان الحقيقيّ لم يكن في الخطابات التي سمعها طوال النهار، بل في تلك الوجوه التي مرّت أمامه. هناك، في تفاصيل الناس البسطاء، تُكتب كل يوم الحكاية الأصدق والأبقى لهذا الوطن.






