لبنان بين حسابات نفط الحرس الثوري واقتراع نتنياهو
كتب كبريال مراد في صحيفة “نداء الوطن” :
لم تتوقّف الاتصالات على خط بعبدا، منها المعلن، ومنها ما يُتفق على إبقائه بعيدًا من التسريبات والأضواء. وتأتي هذه الحركة السياسية والدبلوماسية المكثفة على خلفية تثبيت التوجّه اللبناني الرسمي بالمسار التفاوضي لإنهاء الصراع المدمّر المستمر منذ أشهر، والسعي إلى تحييد لبنان عن دوامة الحروب المفتوحة التي تهدد استقراره ومستقبله.
فالصورة التي ترتسم تدريجيًا تبدو واضحة في نظر كثيرين من المتابعين. هناك تقاطع مصالح، وإن اختلفت الدوافع والأهداف، بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ونظام الحرس الثوري الإيراني في التعامل مع الساحة اللبنانية بوصفها ورقة قابلة للاستخدام في صراعات أكبر من لبنان نفسه. وفي الحالتين، يدفع اللبنانيون الثمن المباشر من أمنهم واستقرارهم واقتصادهم ومنازلهم وأرزاقهم، فيما تبقى الدولة اللبنانية مطالبة بخوض معركة الحفاظ على ما تبقى من مقومات الصمود.

من جهة أولى، يواجه نتنياهو استحقاقات سياسية داخلية دقيقة. فالرجل الذي بنى جزءًا كبيرًا من خطابه السياسي على الأمن والحرب يدرك أن المزاج العام الإسرائيلي لا يزال متأثرًا بتداعيات المواجهات العسكرية الأخيرة. لذلك، تبدو حساباته مرتبطة إلى حد بعيد بإدارة الصراع بما يخدم موقعه السياسي وفرصه الانتخابية. ومن هنا، يقرأ كثيرون خطواته ومواقفه في إطار محاولة الذهاب إلى أي استحقاق انتخابي مقبل وهو لا يزال ممسكًا بورقة “الأمن” التي تشكل إحدى ركائز خطابه أمام الناخب الإسرائيلي.
وفي المقابل، ينظر الحرس الثوري الإيراني إلى لبنان باعتباره إحدى الأوراق الأساسية ضمن شبكة النفوذ الإقليمي التي يستخدمها في مفاوضاته غير المباشرة مع الولايات المتحدة والدول الغربية. فكلما ارتفع منسوب التوتر في المنطقة، ازدادت قيمة هذه الأوراق على طاولة التفاوض. وفي خلفية المشهد تبقى الحسابات الاقتصادية والنفطية حاضرة بقوة، سواء لجهة العقوبات أو الصادرات أو العائدات التي تسعى طهران إلى تحسين شروطها بشأنها.
من هنا، يبدو لبنان عالقًا بين حسابات نفط الحرس الثوري واقتراع نتنياهو. وبين هذين المسارين المتوازيين، يتمسّك رأس الدولة اللبنانية أكثر من أي وقت مضى بخيار التفاوض والدبلوماسية، انطلاقًا من قناعة مفادها أن مصلحة لبنان لا يمكن أن تكون رهينة حسابات خارجية أو مشاريع إقليمية لا تأخذ في الاعتبار كلفة الحرب على اللبنانيين.
ولا شك في أن هذا الخيار يتطلب نفسًا طويلا وصبرًا سياسيًا كبيرًا. فالمعارك الدبلوماسية لا تُحسم بضربة واحدة، بل بتراكم المواقف والإنجازات والخطوات التدريجية. وفي هذا السياق، تشير المعطيات إلى وجود دعم عربي ودولي متزايد للمقاربة اللبنانية القائمة على أولوية الدولة ومؤسساتها، كما أن شريحة واسعة من اللبنانيين باتت أكثر اقتناعًا بأن حماية لبنان تبدأ من تعزيز منطق “لبنان أولا” وتحصين القرار الوطني المستقل.
ووفق معلومات “نداء الوطن”، تستمر الاتصالات والمشاورات في أكثر من اتجاه لتهيئة الأرضية اللازمة لإنجاح المسار التفاوضي، ولا سيما مع اقتراب محطات مفصلية خلال الأسابيع المقبلة. وتشمل هذه الجهود لقاءات مباشرة ورسائل سياسية واتصالات بعيدة من الإعلام، هدفها تقريب وجهات النظر وتوفير الحد الأدنى من التوافق الداخلي المطلوب.
أما عن إمكان ظهور صورة سياسية جامعة قريبًا، فتؤكد مصادر متابعة أن لا شيء نهائيًا حتى الآن. إلا أن غياب الصورة العلنية لا يعني غياب الاتصالات أو التفاهمات الجارية في الكواليس. فالعمل مستمر لتثبيت موقف لبناني موحد يستند إلى السيادة والاستقرار واستعادة الأرض والأسرى والحقوق، من خلال قرار وطني مستقل لا يكون في جيب أحد، ولا يُستخدم في بازار المصالح الإقليمية، بل يوظّف حصرًا في خدمة مستقبل اللبنانيين ودولتهم.






