- Advertisement -

الياس الرحباني… هوى الأقنوم الثالث!

المركزية- 

أن تعيش حياة مديدة في الظل… أو بالأحرى في ظل أخويك الأكبرين لا ينفي كونك مبدعا قادرا على إثبات نفسك وتحلق بجناحيك وحيدا في دنيا الفرح والفن والموسيقى لتجعل ذكرك… مؤبدا وإرثك حيا إلى ما وراء العصور والأزمنة، حتى ولو غلبك الموت والوباء في لحظاتك الأخيرة.

Ralph Zgheib – Insurance Ad

لم نجد أفضل من هذه الكلمات المقتضبة لنتوجه برسالة أخيرة، يشاركنا إياها لبنان والعالم العربي بأسره، إلى الموسيقار الياس الرحباني، الأقنوم الثالث في المعادلة الفنية اللبنانية والعربية الذهبية: الأخوين عاصي ومنصور الرحباني، الياس الرحباني و… الأسطورة الاستثنائية فيروز…

Boutique Properties – Ad

صحيح أن وهج الأخوين عاصي ومنصور اللذين حرصا على أن يبقى سر اتحادهما الفني والفكري عصيا على الكشف والحقيقة والزمن، خطف الأضواء من الياس، الشقيق الأصغر. لكن هذا لا ينفي أن الرجل ترك هو أيضا بصماته الموسيقية الكبيرة في سجل فيروز والأخوين. ذلك أن كثيرا من العارفين بالفن وكواليسه يذكرون الياس متحدثا في إحدى المقابلات التلفزيونية عن التحدي الذي عاشه في أن يكون شقيقا ثالثا لعاصي ومنصور، اللذين عملا على نشر فكرة “الأغنية اللبنانية القصيرة”، في مواجهة المطولات المصرية بصوت أم كلثوم والعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ وسواهما من نجوم الزمن الجميل، الذي كانت القاهرة تلقب فيه بـ “هوليوود الشرق”.

لكن الأهم الأهم أن الياس نجح حيث فشل كثيرون، ولا يزالون: لقد كسب الرجل ثقة العملاقين الكبيرين، إلى حد أن قررا إشراكه في مختلف أعمالهما ومسرحياتهما. وبذلك، حصلت فيروز على أجمل ألحان الياس الرحباني وعطاءاته الفنية وأكثرها غزارة، ويبقى أشهرها : “طير الوروار”، “بيقولو الحب”، يا سنين للي رحتي رجعيلي، “ليل وأوضة منسية”، إضافة إلى الأغنية التي صارت الحاضر الأول في الليالي اللبنانية الملاح، “حنا السكران”.

على أن السجل الفني اللبناني الحافل، عندما يفرد صفحة للياس الرحباني، سيعترف له بالكثير من الانجازات، كإدخال الايقاعات المتجددة إلى الموسيقى ونقلها إلى العالمية. كيف لا وقلة قليلة تعرف أنه ألف نشيدا للكونغرس الأميركي، وهو الذي حاز آلاف التكريمات في لبنان والعالم، وفي ذلك اعترافات كبيرة وكثيرة بأنه، تماما كما أخويه الراحلين الكبيرين، بطل من أبطال الموسيقى، ومجدديها بأصوات آمن بها وآمنت به. ذلك أن الياس الرحباني أتقن الاستمتاع بالفن والمجد والشهرة… على طريقته، فبقي يعمل في الظل، معترفا بدور عاصي ومنصور في شهرته.

 غير أن هذا لا ينفي أنه أبى أن يسجن نفسه في قوقعتهما، فرسم لنفسه خطا مستقلا قاده إلى إضافة إسمه إلى سجل الأعمال الغنائية الباقية أبدا بصوت الشحرورة صباح، مثل “رقصني دخلك يا حبيبي” و”وعدوني ونطروني” والفنانة المعتزلة الكبيرة جورجيت صايغ التي عرف الناس بصوتها أغنية “يا ناسيني، قبل أن يجددها نجله غسان لتقدمها في التسعينيات فرقة “الفور كاتس” التي أطلقها آنذاك.

ولكن، ولأن الحياة أكثر من مجرد وقفة ومحطات ومرور عابر، لم يتردد الياس الرحباني في خوض غمار تجديد الأغنيات القديمة واكتشاف المواهب، والتعاون مع الأسماء الجديدة، لا لشيء إلا لتأمين استمرارية الفن الذي طبعه الرحابنة ببصمة أقوى من أن يبتلعها بحر مرور الزمن. فهو يقف وراء اللحن الرائع ل… رائعة العملاق سعيد عقل، “عم بحلمك يا حلم يا لبنان”، باكورة أعمال ماجدة الرومي التي كرستها فنانة استثنائية بكل المعايير والمقاييس.  

بإرادة الحياة والتجديد، اكتشف الياس الرحباني أصواتا رائعة حلقت بدورها عاليا في سماء الفن، مثل سامي كلارك وباسكال صقر، التي له اليد الطولى في مسيرتها الطويلة، خصوصا أنه قدم إليها أهم أغتياتها مثل “اشتقنالك يا بيروت”، وصبوا فوفك النار، و”وعد يا لبنان” التي تحولت نشيدا يرافق ذكرى انتخاب واغتيال الرئيس الشهيد بشير الجميل، أحد أهم الوجوه القيادية المسيحية في زمن بروز نجم الياس الرحباني. فالرجل تربع بجدارة على عرش أغنيات وموسيقى السبعينيات والثمانينيات، إلى حد أنه وضع ألحانه على كثير من الاعلانات التجارية، وصار، هو الآخر، ركيزة كبيرة من عالم الدراما اللبنانية، في زمن المجد الذي صنعه تلفزيون لبنان. وإذا كان الكثير من أبناء جيل الحرب اللبنانية يذكرون الثنائية العصية على الزمن، المكونة من فتى الشاشة الأول عبد المجيد مجذوب، وهند أبي اللمع، فإن الياس الرحباني هو الأقنوم الثالث هنا أيضا، بفضل موسيقاه التي رافقت  مقدمات مسلسلاتهما الكثيرة، كـ “ألو حياتي”، و”حول غرفتي” و”عازف الليل”، على سبيل المثال لا الحصر.

وفي خضم مسيرته الطويلة هذه، وجد الرحباني الذي خسر اليوم معركته مع كورونا وقتا ليقدم إلى الفنانين الجدد ألحانا، ولينضم إلى لجان التحكيم في برامج اكتشاف المواهب التي اجتاحت الشاشات مع مطلع الألفية. فكان الناقد البناء، و”المهضوم” في “سوبر ستار”، وأستاذا أشرف على إعداد المواهب العربية في “ستار أكاديمي”، في مواسمه الأخيرة، مع العلم أنه أنشأ أكاديمية لتعليم الموسيقى للكبار والصغار، الذين كبروا على أغنيته الشهيرة “كلن عندن سيارات”، التي غناها نجلاه جاد وغسان، قبل أن يحملا المشعل بسنوات… مهمة جعلها الزمن اليوم، وفي لحظة وداع أسود، أصعب من أي وقت مضى…

المركزية

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد